هل يعد تطوير الأسئلة مؤشرًا على نجاح عمليات التطوير بقلم الأستاذ وجيه السعيد البنا

هل انتهى عصر المجاميع العالية وهل يعد تطوير الأسئلة مؤشرًا على نجاح عمليات التطوير بقلم الأستاذ وجيه السعيد البنا

القيادة التربوية دفء ووقود ٩

هل انتهى عصر المجاميع العالية؟ وهل يعد تطوير الأسئلة مؤشرًا على نجاح عمليات التطوير؟

بقلم الأستاذ وجيه السعيد البنا

كان طبيعيا أن تأتي توقعاتنا بشأن التجربة التطبيقية القياسية والتقويمية الحقيقية الأولى للثانوية العامة الجديدة للتعامل مع أسئلة تفكير خارج المحتوى في مكانها وأن تقابل بكثير من الشكوى وقليل من الاعتراف بما أضعناه من وقت في نقد الوزير والطريقة بدلا من التجاوب معها وتصديق مايقال من التربويين بجدواها وفائدتهاحتى لو أتت بعض الأسئلة دافعا للتضرر مع اليقين بأن كل جديد متطور يستلزم الأخذ بالتدريب والعمل الأصيل الذي لايحيد ولايميل، كما يحتاج إلى سبل التمشي والاندماج في منظومة التطور، وكلها مطالب لاتتأتي في يوم وليلة بل أقول :

إننا على الطريق لكن بشرط :

أدمج المعلم في تحليل الوحدات.

بوصناعة الأهداف.

جوصياغة الأسئلة.

دوعرضها للتحكيم.

بدلا من صنعها من الخبراء في لجان التطوير له.

ولست أعني بذلك محتوى بعينه ونحن نطالب بتخطي مسألة المحتوى المعتمد على الكتاب المدرسي،ولكنكم تدركون أحبتي معنى هذا وهو قدرته على التعامل مع العلم تعامل العامل الماهر الذي يصنع منه النضار المذهب (لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟ صنفاقترحقارن… استنبط… استنتج… حين يعلم وذلك بعد تشربه وإتقانه للطرق التقويمية المعتمدة على سلم بلوم… (وذلك بمنتهى البساطة)

وهنا لابد لنا أن نستحضر طريقة تدريس (اللغة العربية) التي كنا نتبعها في رحلة عطائنا في مدارسنا التي كانت تعمر بطلابنا ولاينافسها في (التربية) طيلة مدة عملنا فيها منافس…… تلكم الطريقة هي طريقة (المنحى التكاملي)

في تدريس اللغة العربية وتعتمد على :

١اختيار نصأو المرور بنص ذي قيمة وهدف تربوي…

٢قراءتهبتمهل ومراعاة النطق الصحيح والوقوف بعض الشيء عند أسباب الضبط

٣مناقشة مهاراته اللغوية في كافة أفرع المادة(إملاء بلاغة نحو ثروة لغوية مهارات تعبيريةوذلك يشبه ماورد في الكتب الخارجية حين عمدت إلى إثراء المحتوى تحت عنوان وفكرة القراءة أو النصوص المتحررة…) وكذلك يشبه كثيرا أسئلة البلاغة الحرة في النظام القديم مع فارق الأسئلة والطريقة عند التقويم…

٤تعمد مناقشة العلوم التراكمية التي ربما تخرج بنا أحيانا عن حدود منهج ومحتوى الصف من حيث أبعاد ومدلولات النص في كافة النواحي ومنها:سمات الأسلوب طبيعة الصياغة شخصية الكاتب

&كل ذلك خلافا للتدريس المعتمد على (المنحى الفرعي أو الجزئي) الذي يدرس كل فرع وحده منفردا (نحو) (أدب) (بلاغة) (قراءة)…. وأستحضر هنا الفرق بين الطريقتين في التنفيذ ومدى المتعة لدى الطالب المتمكن الذي يوظف مع معلمه إحدى الطريقتين لنجاح الأخرى؛ بمعنى استثمارهما لحصة النحو المنفردة في التركيز على بعض الأبواب التي تحتاج إلى عناية دون الخلل بسير الخطة ،ثم هو يطبق مادرسه فيها ذلك في المنحى التكاملي على نص خارج حدود المحتوى

وهنا أسطر إعجابي بمعلم يختار نصا خارجيا لدرس النحو ولايتعرض لأمثلة الكتاب ولايأتي لمناقشتها إلا بعد أن يعرض مالديه دون أن يهمله بالكلية، (يقدم نموذجا) جذبا لانتباه طلابه وفتحا لباب المقارنة والثقة في التعامل مع العديد من الأنماط النصية لتكون وظيفية اللغة هي الأهم وليست محدودية حصر اللغة وقواعدها في أمثلة محددة اعتاد الطالب على ارتيادها في كتاب مدرسي فإذا فقد الكتاب ضاع منه الدليل …(وانظر كيف تفننت الكتب الخارجية في تحقيق هذا مستفيدين بأفكار بعض التربويين الأفذاذ أمثال علي الجارم وحفني ناصف وعبد العليم إبراهيم و أمين على السيد وغيرهم كثر)

علما بأننا قد أتى علينا وقت كنا نستعد فيه لرفع الصوت بالصراخ لأن المعلم قد أتى في الاختبار بالسؤال من خارج الكتاب للأسف الشديد وعليه ان يستعد للتحقيق، والويل له لو تلقفته صحيفة أو قناة فضائية أو مذيع استعراضي فرحان (بالشغلانة) الجديدة بعد أن يعدل ميكروفونه وزيه الذي يفترض أن يكون أنيقا ولغته التي تبعث على الاشمئزاز فيكيل الاتهامات لواضع الاختبار ويستميل برعونته الآباء العطوفين الطيبين ويثير الرأي العام ويذكرني بالطراز الأبوي الجديد الذي صار يرى المعلم وراء كل بلوى وسبب كل شكوى فأسقطه أمام أبنائه من حديثه الطيب وصار يشتمه ويتهكم عليه فذهب ابنه إلى المدرسة إذا ذهب ساخطا عليه متبرما بين يديه…

أعود فأقول : ويشكل درس المطالعة (حرًا وقصة) الذي يضعه بعض الزملاء في الحصص المتأخرة ويكتفي فيه بالجلوس على المقعد وطلب قراءة الموضوع وهكذا يكون قد دُرسأقول كانإذا أُحسن توظيفهواحدا من أهم أبواب النفاذ إلى أهداف التدريس بطريقة المنحى التكاملي لاستثمار جمال الاختيار للأديب اللامع أو المؤرخ العظيم أو العالم الفذ… في مناقشة توظيفه للغة للوصول إلى الفكرة المطروحة وتلك أعظم وظيفة لرجل اللغة ومن يحب اللغة من وراء تراثٍ جاءت اللغة وعاءً له ؛ فإذا بنا للأسف نقف في درس القراءة عند المنحى الجزئي في حفظ أفكار النص او المقال وماورد فيه من معلومات علمية كانت أو أدبية او تاريخية أو اجتماعية…وإن كانت مهمة أيضاونغفل تربية مهارات اللغة لدى الأبناء وتأصيل حبها في نفوس الطلاب وتعريفهم بأسرارها بحجة أن لهذه الأفرع حصصا مخصصةفلانحن اهتممنا بالجزئي لأن الطلاب ينفرون من الحفظ، وإذا نال اهتمامهم تحول تعليمنا إلى ماعلمتم، ولا نحن عنينا بالكُلىّ لانشغالنا بالجزئيولكم كنت أذكر أبنائي أن أهدافا كثيرة من درس المطالعة يكون أحدها استيعاب المقروء وليس هذا هو كل الهدف…

وإذا بالطالب يصاب بمايشبه الفصام بين ماحفظه من كلام مكتوب وبين قواعده وقوانينهولقد كنت أعرف معلما يفعل الآتي طيلة مدة عمله :

@ يناقش طلابه في رحلة لقائهم الأول به في معاني كلمة أدب في اللغة والفرق والمقارنة بينها وبين مسميات الأناشيد والمحفوظات، ثم يطلب منهم في أول حصة في التعليم الثانوي أن يقدم (كل منهم) ورقة بحث من صفحة واحدة يحيلهم فيها لقاموس في المكتبة (أو الذي كانوا يتسلمونه ضمن مقررات الأول الثانوي… ) (هل تذكرون؟) أقول كان يطلب منهم الاستعانة بهذا القاموس في تقديم تلك الورقة بهذا المضمون في غضون يومين عن معنى ومفهوم الأدب …

@ كان يسألهم في معنى كلمة النحو المكتوبة على غلاف الكتاب ويطلب منهم التعريف بها لغويا ثم يربط عندهم بين هذا التعريف الذي هو (الوسيلة او الطريقة) وبين المقصود منه في الاصطلاح في أسلوب سلس وشائق دون تعقيد

@ كان يقضي حصة كاملة في ضبط قراءة طلابه للنص ويناقشهم في أساسيات مادرسوا من مهارات اللغة والنحو تراكميا، كل ذلك قبل التحليل؛ ليبين السبيل إلى الانفتاح على كل اللغةوإن نظمته معايير المحتوى وقسمته على سني الدراسة ومراحلها-…

@ يغضب ويظهر التأثر وعدم الرضا عند الشعور بالاستعجال أو الاستخفاف في التدبر والمناقشة.

@ يهجر العامية بالعمد ويظهر كامل الالتزام بالتحدث بالفصيحة بل بالفصحى ولا يناقش إلا بها ولا يثني إلا بها ولايعاتب إلا بها ولايتودد إلا بها ولا يلوم إلا بهافي لغة جسدية رائعة…

@ يهتم بالموهوبين ويظهر لهم البشاشة والحب والعمل على دمجهم في أنشطة تناسب ملكاتهم اللغوية تحت مسميات المنتديات الأدبية والحوارات الصحفيةوالمسابقات الإبداعية…

& كانت عنايته بالتطبيق نصف الشهري أو الأسبوعي قياسا للمهارات اللغوية عبر اختبار مثير تضمه كراسة أنيقة (وملف إنجاز) شخصي له في أحد أركان حقيبته يستعرض فيه ملكاته في صياغة الأسئلة اللافتة والجديدة، كما يصير لدى كل طالب صورة من هذا الملف يضع فيها إنجازه وسطر لذلك آخر الدفتر نهرا لدرجاته التتابعية مرقمة، إذا أتيت إليها عرفت مدى تقدمه واستجابته، فضلا عن كون هذا الدفتر مرجعه قبل القياسات النهائية حيث يضم عصارة جهده وفكره واستيعابه لجهود معلمه في تأصيل حب اللغة وبناء ملكاتها لديه… وهو مع كل هذا لايكرر نفسه في التقويم من عام إلى عام أو من فصل دراسي إلى فصل دراسي آخر، بل هو يقدم نفسه في التقويم بما يلائم الموقف ويطور عليه ولا يقول كلاما واحدا ولايضع سؤالا واحدا لكل الطلاب، بل قد تزوره في فصل ثم تزوره في آخر فتجده يطرح سؤالامختلفا بل أسئلة مختلفة تماما… أتدري لماذا؟ ذلك انه وليد المواقف، مليء بالمرونة، تحضره شخصية السائل وهدفه في التعلم ويكون سؤاله المثير تبعا لذلك… لذا فإن إيماننا بدفتر التطبيق جزء من سخاء المعايشة ومسايرة المواقف مطورا ومتجاوبا ومبدعا في الصياغة وتحريك الذهن والإثارة الفكرية… وتستحضر طريقته في لفت عقول طلابه إلى التنويع في استراتيجيات الحلول التي تناسب الموقف ولاتجعل الطالب إلا واثقا قادرا لايأبه السؤال ولا يخافه بل يدربه على تملك الأدوات في استبعاد الحلول الخاطئة وطرح بدائل التفكير والتخمين التنبؤي وسرعة البديهة…

@ توظيف حصتي التربية الدينية في جودة تلاوة المقرر من كتاب الله وتفسيره وأبواب العقيدة والحديث والسيرة والفقه والشخصيات الإسلامية في تعريف طلابه بعقيدتهم في سلاسة وحب واعتدال والمرور على مايقابل طلابه من مشكلات وتساؤلات في هذا المجال، بل ويفتح الباب في بصيرة لعلاج بعض أزماتهم فيتحول إلى معلم لغة وداعية في يسر وبساطة بما تحمل هذه الكلمة من معنى ولايغيب عنه النحو ولا البلاغة… كيف وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أبرز مصادرها العريقة….

لامانع أبدا أن نعاود الكرة ونعترف بأننا نتسرع في إصدار الأحكام، ربما لنمتص غضب أبنائنا وآبائهم وقد امتلأت السنون الأخيرة بتغيرات لا تخفى على أحد؛ ضيقت عليهم أبواب الأمل فضلا عما أنفقوا على مدى وقت غير قصير مبالغ طائلة مقابل جهود من زملاء أعزاء عزت براعتهم في زمن النقد الجارح ، وأبقتهم الأحداث يستقطبون بعملهم الطيب أفئدة الطلاب المتعلقين بهم ويعوضون غيابهم وانقطاعهم عن مدارسهم بسبب كورونا وأسباب أخرى…، ليستبقوا لنا الأمل فيهم لمستقبل أمتهم، وأهيب بهم أن يزيدوا تألقهم بالأخذ بالجديد وأخذ طلابهم نحوه في قناعة تامة بأننا قد أخطأنا كثيرا إذ تفرغنا للنقد ولم نعمل لنطور أنفسنا…

إلى اللقاء.

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like