مدارس بلا أسوار بقلم الدكتور يحيى القبالي

مدارس بلا أسوار بقلم الدكتور يحيى القبالي

مدارس بلا أسوار

 

يتبادر إلى ذهن القارئ بلا أدنى شك عدة احتمالات، وسيجول ويصول خياله ويذهب بعيدًا عند قراءة هذا العنوان، وبالتأكيد سيكون له صدى كبيرًا عند من له علاقة بالتربيّة والتعليم سيما وأنّ العقل لن يستوعب معنى أو رمزية هذا العنوان لما احتفظت به الذاكرة الجمعية للمجتمع بالصورة النمطية للمدرسة وبنائها ، فمنهم من يتصور الواقع المادي للمدرسة بلا أسوار اسمنتية فعلاً، ومنهم من سيتصور الجانب الرمزي المتمثل بعدم وجود حواجز بين المعلمين والإدارة من جهة والطلبة من جهة أخرى، وبالرغم من ترجمة ذلك فعلاً على أرض الواقع قبيل الحرب العالمية الثانية في دول شمال أوروبا وذلك بعد ظهور مرض السّل كوباء عالمي، وباتت التجمعات البشريّة وبخاصة المدرسية منها تشكّل بؤرًا لانتشار هذا الوباء فأصبح التدريس في العراء السبيل للابتعاد أو التخفيف من العدوى ، ولقد استساغت دول تلك الفكرة وطوّرتها مثل ألمانيا وقامت بإنشاء مدارس بلا أسوار اعتمادًا على نصائح تربويين وعلماء نفس ، ومن ثم حذت دول أخرى حذو ألمانيا وطوّرت التجربة مثل : الصين وكوريا الجنوبية، وكان المسوغ الرئيس لهذه الدول هو : المدرسة ليست سجنًا ، وأنّ كل ممنوع مرغوب 

فهم يرون أن الطالب المشاكس يجد في تحدي السلطة المدرسية فرصة للهروب من أسوارها ويعتبر ذلك انجازًا يدعو إلى التفاخر والمتعة فهو يغدو مزهواً متلذذاً بما يظنّه انتصارً او تحرراً من سلطوية المدرسة وجبروتها، ومن ناحية اخرى يرى المؤيدون لفكرة مدارس بلا أسوار أن عدم وجود أسوار تمنع الطّلبة من الهروب فلا يجد الطالب مبرراً للهروب أو تحد للسلطة المدرسية من جهة ، ومن جهة أخرى يدل عدم وجود أسوار انفتاحاً للمدرسة على المجتمع

وبين مؤيد ومعارض ، نجد أنّ الجماعة المؤيدة لإزالة أسوار المدرسة قد غفلوا عن أسوار الغرفة الصفيّة، بل وعن المقعد المدرسي الذي يلتزم الطالب الجلوس فيه لأكثر من ست ساعات يوميًا

وإذا ما تماهينا مع وجهة نظرهم فلن يكون هناك وجودًا فيزيائيًا للمدرسة بغرفها ومقاعدها وأسوارهاالخ وسيكون التدريس بمثابة مهرجانات وتجمعات ماراثونية في العراء يصعب ضبطها وتصويب مسيرتها، عدا عن فقدان الجانب العاطفي الذي يربط الطلبة بمدارسهم بكل موجوداتها أثناء الدراسة أو بعد الانتقال من مرحلة تعليمية إلى مرحلة أخرى أو بعد التخرّج من المدرسة، وسيفقد المعلم كثيرًا من الأدوار التي تحدد شخصيته في نظر طلاّبه.

ومن وجهة نظرنا المتواضعة نقول: إنّ المناداة بمثل هذا التوجه لم تظهر عبثا ولولا أن ذلك الواقع قد أفرز نتاجات راقت لكثير من التربويين وأولياء الأمور لما تبّنت دولاً كألمانيا والصين وكوريا وغيرها مثل هذا التوجه، في المقابل وفّرت تلك الدول البدائل المناسبة عن تلك الأسوار و ناضلت لجعل المدرسة بيئة جاذبة للطلبة يجدون فيها كافة المتطلبات التي تعوضهم عن المغريات الخارجيّة وتشعرهم في الوقت نفسه بقيمتهم وإنسانيتهم وبحاجة المجتمع لهم

وقد أجد نفسي منحازًا لما ألفناه من بناء مدرسي وأنّ هذا البناء لا يكتمل وينال خصوصيته إلا بوجود سور يحيط فيه يجعل له حرمة لا يجوز التعدي عليها، وفي الوقت نفسه تنازعني نفسي للقبول بفكرة مدارس بلا أسوار لما لها من أثر نفسي عميق في نفوس الطلبة، فهم ينظرون إلى ذلك السور بمثابة الحاجز بينهم وبين حريتهم فنراهم يتفلتون من بين أيدي المعلمين المناوبين نهاية الدّوام المدرسي وبمزاحمة أقرب إلى الفوضى لا يلون على شيء ، وكل همهم التحرر من هذه الأسوار والبناء المدرسي برمته، وهذا الموقف وحده كفيل بقبول تلك الفكرة.

إذا نحن مع وجود أسوار للمدارس ولكن بتدخل جراحي يجعل من هذه الأسوار تحمل مسمى آخر بعيدًا عن تصور الطّلبة، أسوارًا عبارة عن لوحات فنية تؤدّي رسالة تربوية هادفة كجزء من المنهاج والقيم والتوجيهات والارشادات المنتقاة بعناية ، ولا ضير أن يكون أمام أسوار المدرسة أحواض من المزروعات دائمة الخضرة يستظل الطلبة بأفيائها في أوقات الاستراحات بين الحصص ، يتنعمون بجلسة اجتماعية وادعة مع أقرانهم، وما أجمل أن تمثل تلك الأحواض الحديقة المدرسية والتي تمثل بمجموع أجزائها أسماء للفصول الدراسية وفتح باب المنافسة لأجمل حوض زراعي، وجعل السور المدرسي – من الخارج والداخل يترك أثرًا وخبرة سارة في نفوس الطلبة تمثل لهم قصص نجاح من خلال جعل أسوار المدرسة عبارة عن صفحات متجددة ذات جودة عالية ورونق يلفت الانتباه ، ويكون للطلبة مشاركات في اختيار وإعداد اللوحات أو العبارات وغيرها ليشعروا بأن أسوار المدرسة جزء لا يتجزأ منها، وأنّ لوجود الأسوار أهداف تربويّة لها أبعادًا نفسيّة واجتماعيّة تخدم العملية التربويّة ، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي وتوظيفها لتوثيق تلك الفعاليات والاحتفاظ بإنجازات الطلبة ضمن أرشيف الأنشطة المدرسيّة .

يجب على الإدارة المدرسية الناجحة استغلال كل ما من شأنه أن يسهم في ارتقاء العملية التربوية وتوظيفه توظيفًا إيجابيًا .

إنّ هدم أسوار الخوف والرهبة والتسلط أولى من هدم الأسوار الاسمنتية للمدرسة ، فتأثير البعد النفسي أقوى وأشد من التأثير المادي ، ومد جسور من المحبة والثقة المتبادلة بين منسوبي المدرسة والطلبة ، وبين المدرسة بشكل عام والمجتمع، لهو الطريق الأمثل لدفع العملية التربوية إلى الامام.

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like