ماذا قدّمت المدرسة للموهوبين والمتفوقين بقلم الدكتور يحيى القبالي

ماذا قدّمت المدرسة للموهوبين والمتفوقين؟

تعتبر المدرسة بمديرها ومعلميها الجانب التنفيذي للعمليّة التربويّة وعليها يقع الجانب التطبيقي الذي أقره المشرّعون التربويون من : وزير التربية والتعليم والأمناء العامين ومدراء الإدارات وقسم المناهج، والمشرفين التربويين.. وبطبيعة الحال فإن كل مقدرات وإمكانيات وزارة التربية والتعليم موجهة إلى الطلبة العاديين والذين يشكّلون ما نسبته 70% من مجموع الطلبة بشكل عام ، وما تبقى 30% موزعة بين ذوي الاحتياجات الخاصة ( موهوبين ومتفوقين، وذوي الإعاقة)

ويدور جدل كبير في الأوساط التربويّة حول تضمين المناهج الدراسيّة مهارات التفكير العليا ليتناسب المنهاج مع الطلبة الموهوبين والمتفوقين ويتحدى قدراتهم ليكون التّعلّم أكثر متعة وتشويقًا لهذه الفئة من الطّلبة، ولكن ثمة أسئلة تطرح نفسها بقوة إذا ما تم هذا الأمر، وهي

هل المعلمون مؤهلون للتعامل مع هذه المهارات؟

هل يوجد في كل الفصول الدراسية طلبة موهوبون ومتفوقون؟

هل مثل هذه المهارات مستساغة لدى الطلبة العاديين، أم أنها تشّكل حملاً زائدًا عليهم؟

هل هذه المهارات في نظر المعلمين عبارة عن ترف تربوي أم أنها جزء من صميم المنهاج الدراسي؟

هل هناك معايير تحدد مهارات التفكير العليا لكل صف ومرحلة دراسية؟

هل هناك تغذية راجعة يمكن الاعتماد عليها لتقييم مخرجات هذه المهارات؟

ومن المسؤول الأول عن اختيارات مهارات التفكير والعليا وتضمينها في المنهاج الدراسي؟

وعودة على بدء فإن المتفوقين أكاديميًا( الحاصلون على درجات أعلى من95%) يشكّلون ما نسبته 5% من المجتمع المدرسي، والموهوبون( خطاط، مطرب، شاعر، عازف، رسّام…) يشكلون ما نسبته 5-2% ، والمتفوقون عقليًا( يمتلكون التفكير الإبداعي) يشكّلون ما نسبته 2-1%

وبعبارة أخرى فإن نسبة الموهوبين والمتفوقين أكاديميًا والمتفوقين عقليًا ما يعادل 12% من المجتمع المدرسي، وكل فئة من هذه الفئات بحاجة إلى برامج خاصة تتماشى مع قدراتهم، وإن مهارات التفكير العليا تتماشى مع قدرات الطلبة المتفوقين عقليا ذوي التفكير الإبداعي، أمّا المتفوقون أكاديميًا والموهوبون، فلكل شريحة برامجها الخاصة بها

وعلى ما تقدّم يجب التفكير مليًّا قبل وضع مثل هذه المهارات في المنهاج الدّراسي، ومن الأجدر أن توفّر المدرسة برامج خاصة لاكتشاف وتشخيص وتدريب كل شريحة على حده على غرار طلبة صعوبات التّعّلم( غرف المصادر) وتوفير مختصين للعمل مع كل شريحة بما يتناسب وقدراتها ، وفتح غرف خاصة للموهوبين والمتفوقين عقليا داخل المدرسة( تجمّع مدارس) ؛ لتنمية وصقل تلك القدرات بعيدًا عن المنهاج الدّراسي، وترك المنهاج المدرسي – متوسط الصعوبة للطلبة العاديين على حاله ، فالطلبة العاديون يعيشون أجمل لحظات حياتهم عندما يتناسب المنهاج مع قدراتهم ويشعرون بإنجازاتهم وتحصيلهم دون تحد يفوق قدراتهم ويحبطهم.

ولعل الخلط القائم في مجال الموهبة والتفوق قد ألقى بظلاله على المناهج المدرسيّة وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه لتقديم خدمات تربويّة متنوّعة ليتماشى مع قدرات الطّلبة دون النّظر إلى الفصل بين المفاهيم الثلاثة : موهبة ، تفوق أكاديمي، تفوق عقلي،. ومن الجدير ذكره أن التفريق بين المفاهيم الثلاثة يصعب على كثير من المختصين في مجال الموهبة لما يشوبه من خلط، فما بالك بمعلمي المواد الدراسية؟

إن الأعباء تزداد يومًا بعد يوم على المدرسة ويزداد تكليفها بمهام قد تنوء بحملها وتفقد هذه البرامج قيمتها والهدف من إنشائها، وعليه نقول: التعليم حق وليس امتيازًا ويجب أن تتوافر لكل شريحة من الطلبة ما يناسبها على أساس علمي مدروس يجعل من المجتمع المدرسي مجتمع جاذب ومحبب لكلّ تلميذ، والاستفادة من التخصصات المتنوّعة لسد الفراغ في الميدان لتحقيق الأهداف التربويّة بأعلى جودة

لقد ساهمت دراسة ( ليتا هوليعويرث) من جامعة جون هوبكنز في الولايات المتحدة الأمريكية على تسليط الضوء على فئة الطلبة الموهوبين والمتفوقين كإحدى الفئات التي تنتمي لمجتمع ذوي الحاجات الخاصة من الناحيتين التربوية والإرشادية ، ومما ورد في مؤلفاتها: عدم كفاية المناهج الدراسيّة العاديّة وعدم استجابة المناخ المدرسي العام الذي يغلب عليه طابع الفتور وعدم المبالاة تجاه الطلبة الموهوبين والمتفوقين

لا يختلف اثنان على أنّ المدرسة تقوم بواجبها على أكمل وجه، وتنفذ ما يطلب منها ،وهي الحاضنة الأولى لمختلف شائح الطلبة، ولكن إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع، فتنوع البرامج وتعددها وبما تحتوي من زخم وعمق لا تعطي للمعلم هامشًا للتميز أو الابتكار، بل تجعله رهينة للمنهاج المدرسي المكتظ بكل ما يتقنه المعلّم وما لا يتقنه ، وقد يكون التنفيذ في بعض الأحيان آليا لا يحمل روح المنافسة أو يترك فرصة للتفكير، فنرى السّمة الغالبة على المدرّس هي صفة التذمر من كلّ جديد، والتأفف من الأعباء المتراكمة على كاهله

ليس من الخطأ أن نأخذ ما يناسبنا من خبرات الدّول المتقدّمة، على الرغم من أنّ جميع البرامج التي تم تأسيسها في دول متقدّمة في أوروبا وأمريكا لم تبدأ من الحكومات بل بدأت من جهود وضغوطات خاصة وجمعيات مجتمع مدني ثم استجابت الحكومات لهذه المؤسسات والجمعيات التي بدأت بالمناداة بالاهتمام بذوي الحاجات الخاصة والموهوبين .

إن التنويع بالبرامج الدراسيّة يستدعي التنويع بالتخصصات، بمعنى أن يكون هناك في كلّ مدرسة أو تجمّع للمدارس برامج تناسب الشرائح المختلفة يقوم عليها معلمون متخصصون كلّ في مجاله، فبرامج الموهبة بحاجة إلى معلمين موهوبين يصقلون مواهب الطلبة المختلفة، وبرامج التفكير الإبداعي بحاجة لمعلمين متخصصين في مجال التفكير الإبداعي وبرامجه الإثرائية، أما الطلبة المتفوقون أكاديميا فمحيطهم الطبيعي الذي يميزهم عن غيرهم هو المحيط المدرسي ومناهجه المختلفة فهو وسطهم الحيوي، وهو أساس تفوقهم.

إن الواقع التربوي اليوم مشبع بشكل قد لا يتقبّل بعد ذلك ما هو جديد بغض النظر عن مصدره وما يتوقع من نجاح له، فقد ازدحم الجدول الدّراسي للمعلّم والطالب، وتعمّقت المناهج بالمعلومات، وأصبح اليوم الدّراسي بطولة غير قادر على الوفاء بمتطلبات وتكليفات المنهاج، وقد فرضت الثورة التكنولوجية واقعا تربويًا مختلفًا بوجود منصات التواصل الاجتماعي وتعددت المصادر الثقافية ولم يعد المعلّم المصدر الوحيد للمعلومة مما أسهم في زيادة العبء على معلّم المادة الواحدة وحثّه على الإلمام بكلّ صغيرة وكبيرة في مجال تخصّصه، وأصبح لدينا واقعًا مدرسيًا جديدًا ألا وهو المزيد من التخصصات توزع الحمل و تعطي المعلّم هامشًا لتطوير ذاته وتعطي الطّالب في الوقت نفسه فرصة لتحقيق طموحاته بما يتناسب وقدراته.

لقد عملت المدرسة جاهدة لتأدية رسالتها على أكمل وجه، وحاولت تنويع أساليبها التعليميّة وتوفير بيئة تربويّة لكلّ طالب بما يتماشى مع إمكانياتها ونجحت في ذلك وحققت نجاحات كبيرة مع وجود تحديات اقتصادية على أرض الواقع، ولكن هذا النجاح كان موجها إلى الشريحة العريضة من الطّلبة العاديين، وبقيت المدرسة تسعى لتحقيق طموحات ذوي الاحتياجات الخاصة ( موهوبين ومتفوقين وذوي الإعاقات) وما إن رأى النظام المدرسي النور حتى تضمنت برامجه حصصًا للتربية الرياضيّة والتربية الفنيّة ونشاطا لا منهجيا تمثّل في الإذاعة المدرسيّة ، وبهذا تكون المدرسة قد قدّمت للموهوبين بصيص أمل برعاية مواهبهم، ولكن ذلك لا يكفي لرعاية المواهب وصقلها ، فحصص التربية الرياضيّة والفنية لا تتعدى حصتين في الأسبوع ، والإذاعة المدرسية قد لا تتاح لأكثر من مرة للطالب الواحد خلال العام الدراسي، من هنا وجب على المدرسة تفعيل دورها التشاركي مع جمعيات ونوادي المجتمع المدني لتبني هذه المواهب، وفتح المجال للموهوبين بعد الدوام المدرسي الالتحاق بنوادي الموهوبين في المدارس التي تحددها وزارة التربية والتعليم، وهذا الأمر ينطبق على المتفوقين عقليًا أيضًا.

أما الطّلبة المتفوقون أكاديميًا فيجب تفعيل نظام التسريع الأكاديمي لهم، ومراجعة آلية تطبيقه، فقد أضاع عدم تفعيل هذا البرنامج أو سوء تطبيقه فرصًا عديدة على مئات بل ألوف الطلبة الذين كان من الواجب تسريعهم أكاديميًا.

وكلمة أخيرة:

إن المدرسة تمثّل حلقة من حلقات العملية التربوية ولا يجوز بأي حال من الأحوال تحميلها وزر الأخطاء – إن وجدت – فكما أن الأطراف كافة تنسب النجاح إلى نفسها فيجب أن يتقاسم الجميع التقصير أو ضعف المخرجات في حالة الفشل في تحقيق بعض الأهداف.

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like