كيفية مساعدة الأبناء على التعامل مع ضغوطهم النفسية بقلم الدكتورة وفاء فياض الدجاني

كيفية مساعدة الأبناء على التعامل مع ضغوطهم النفسية بقلم الدكتورة وفاء فياض الدجاني

كيفية مساعدة الأبناء على التعامل مع ضغوطهم النفسية

بقلم

الدكتورة وفاء فياض الدجاني

تُعد الضغوط النفسية ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية التي يختبرها الفرد في مواقف وأوقات مختلفة، وهي تُمثل أحد أهم الموضوعات التي تترك أثراً كبيراً على الأفراد في المجتمع بشكل عام وذلك بسبب ما يترتب عليها من آثار مختلفة سواءً من الناحية العقلية أو الجسدية وكونها تتطلب وجود القدرة لدى الفرد لتخطيها وتحقيق التوافق مع البيئة المحيطة التي يعيش فيها.

وعلى الرغم من الكتابات المختلفة حول هذا الموضوع من قبل المتخصصين، إلا أن مفهوم الضغط أو الضغوط النفسية لا تعني الشيء نفسه لهم جميعاً ذلك أنه متعدد الأبعاد، فهناك وجهات نظر مختلفة نظراً لاختلاف الإتجاهات النظرية حوله فالبعض يرى بأنه يحدث نتيجةً للعوامل الخارجية، مثل: كثرة المعلومات التي تؤدي إلى الإجهاد الإنفعالي والشعور بالتهديد والخطر ما يؤدي إلى حدوث تغيرات في العمليات العقلية وتحولات إنفعالية عند الفرد، والبعض الآخر يرى بأنه يُمثل حالة ناشئة من عدم وجود توازن بين المتطلبات المفروضة على الفرد وقدرته على الإستجابة لتلك المتطلبات مما يترتب عليه الشعور بالضغط النفسي والتوتر عند الفرد.

تعريف الضغط النفسي

الضغط في اللغة العربية له عدة معان، فيقال ضغطه ضغطاً أي طمره إلى شيء كحائط أو نحوه، وتعني الضيق والقهر كما أنها تعني الزحمة والشدة، ويُعرَف الضغط النفسي على أنه استجابة تكيفية تُحدثها الفروق الفردية بين الأفراد وتُسهم العمليات النفسية فيها، وتنتج عن أي حدث بيئي أو موقف أو حادثة وقد تخلق حالة من اختلال التوازن والاضطراب في السلوك. وبالتالي يمكن القول بأن الضغطوط ما هي الا مجموعة من الأحاسيس التي نتحملها عندما نكون في مواجهة المواقف التي نعتقد أننا لا نستطيع مواجهتها بطريقة صحيحة ينشأ عنها تحريك مجموعة من ردود الأفعال العصبية والهرمونية.

أسباب الضغط النفسي

ينتج الضغط النفسي من مجموعة من الأسباب مثل الأسباب الإجتماعية والأسرية والعاطفية والعملية وكذلك الدراسية، ويُعد الجانب النفسي الجانب المشترك في جميع أنواع الضغوط، فمثلاً عند تعرض الفرد لضغوط ناتجة عن إرهاق العمل ومتاعبه تكون أولى النتائج تأثر نفسيته وشعوره بنوبات من التعب والملل والقلق النفسي الذي يصيب الفرد وينعكس على تكيفه في العمل وإنتاجيته وبالتالي يتأثر أداؤه، ويحدث ذلك أيضاً عندما يتعلق الأمر بالضغوط الإقتصادية التي لها أثر كبير على نفسية الفرد، فحين تصيب الفرد الأزمات المالية يشعر بتهديد وجوده وينعكس ذلك على حالته النفسية ويرتبط في هذا المقام الضغوطات الأسرية التي تشكل بعواملها التربوية والإقتصادية ضغوطاً شديدة من حيث توفير المستلزمات اليومية للأبناء ومتابعة سلوكهم.

وتشكل ضغوط الدراسة على الفرد في مختلف المراحل الدراسية جانباً آخر ينتج عنه نوع آخر من أنواع الضغط النفسي الذي يختبره في فترة ما من حياته ناتج عن سعيه لتحقيق النجاح وتحقيق طموحات الأهل في الحياة والعمل على إرضائهم. ومع تقدم العمر تظهر ضغوطاً حياتية أخرى تتمثل في الضغوط العاطفية؛ فعندما لا يستطيع الفرد تحقيق رغباته العاطفية من خلال الزواج وعندما يفشل في التحكم في هذه الضغوط فإن جسمه يمر بحالة تعرف بالمواجهة أو الهرب فيشكل ذلك ضغطاً لديه ويؤثر على حالته النفسية وإستجابته تجاه الآخرين.

النظريات المُفسرة للضغوط النفسية

اختلفت النظريات التي اهتمت بدراسة الضغوط النفسية طبقاً لاختلاف الأطر النظرية التي تبنتها؛ فهناك نظريات ذات أسس نفسية وأخرى ذات أسس اجتماعية وأخرى معرفية. ومن أهم هذه النظريات نظرية علم النفس المعرفي للضغط النفسي التي تقوم على أساس مفاده تقويم الفرد لموقفه الحالي وشعوره بأنه مُهدد، فيحاول تقييم الموقف معرفياً بصورة أولية لتحديد معناه ودلالته، وبالتالي فإن الاستجابة طبقاً لهذه النظريةتحدث فقط عندما يدرك الفرد أن بعض القيم أو المبادئ المهمة تبدو مُهددة له، وفي هذه المرحلة يتم تقييم جميع المنبهات على أنها ضارة أو مفيدة أو لا تشكل أية خطورة، ثم بعد ذلك يقوم بعملية تقييم ثانوي لتحديد مصادر المواجهة التي يستند إليها في التعامل مع الموقف، ثم القيام بمواجهة الموقف الضاغط، وهذا ما يُطلق عليه بعملية التقييم الأولي وعملية التقييم الثانوي للمواقف والتي يلعب فيها تفكير الفرد دوراً أساسياً وبالتالي يُحدد آلية الاستجابة.

استراتيجيات مواجهة الضغط النفسي

يتباين الأفراد في إدراكهم واستجابتهم وتأثرهم بالضغوط النفسية؛ فقد تكون عند بعض الأفراد منهكة للطاقة ومثيرة للقلق، ومسببة لآلام نفسية وجسدية؛ بينما البعض الآخر يرى بأنها بمثابة قوة دافعة للإنجاز وللتفكير وشحذ الهمة وتجعل للحياة رسالة وهدف وغاية. ويُعتبر الضغط النفسي جزء لا يتجزأ من حياة الطلبة فهم يواجهون حالات متعددة من الضغوط خاصةً عند تركهم لمنازلهم وتكوينهم لعلاقات إجتماعية جديدة يتوجب عليهم التعامل معها في رحلتهم الدراسيه؛ لذا يحاول كل فرد التعامل مع حالة الضغط التي تواجهه بأسلوب يتماشى مع تكوينه الشخصي، وقد يؤدي فشله في مواجهتها إلى الشعور بالإحباط والإكتئاب والقلق وغيرها من الإنفعالات السلبية الأخرى، وقد تدفع الأحداث الضاغطة إلى قيام الفرد باستجابات سلوكية غير ملائمة وقد تدفعهم إلى الانطواء وتجنب التفاعل الإجتماعي مع الآخرين. ولتجنب ذلك أشار العديد من علماء النفس إلى استراتيجيات عديدة لمواجهة الضغوط النفسية، منها:

الاستراتيجية الانفعالية في المواجهة: وتتمثل في ردود فعل انفعالية، مثل: الغضب والتوتر والقلق واليأس.

الاستراتيجية المعرفية في المواجهة: وتتمثل في استخدام النشاط العقلي في إعادة تفسير وتقويم الموقف وتحليله منطقيًا.

الاستراتيجية الإحجامية: والتي تشمل الأساليب التي يوظفها الفرد لتجنب الضغط، والإحجام عن التفكير فيه. من خلال استخدام أربعة أساليب هي:

أولاً أسلوب الإحجام المعرفي: والذي يلجأ إليه الفرد لتجنب التفكير الواقعي مع الموقف الضاغط.

ثانياً أسلوب التقبل الاستسلامي: ويلجأ إليه الفرد لترويض نفسه على تقبل الموقف الضاغط.

ثالثاً أسلوب البحث عن المكافآت البديلة: وذلك عن طريق الاشتراك في الأنشطة البديلة ومحاولة الاندماج فيها.

رابعاً أسلوب التنفيس والتفريغ الانفعالي: وذلك بالتعبير اللفظي عن المشاعر السلبية غير السارة عن طريق المجهودات الفردية المباشرة لتخفيف التوتر.

ومع تقدم الأطفال في السن تتوسع مصادر إجهادهم، ويُعتبر المراهقون أكثر عرضة من الأطفال الصغار للتوتر بسبب الأحداث أو المواقف التي يواجهونهاخارج المنزل. فقد أظهرت الدراسة الاستقصائية التي أجرتها جمعية علم النفس الأمريكية (APA) أن التوتر كان شائعًا للغاية بين المراهقين؛ حيث بينت الدراسة أن 83٪ من المراهقين الذين شملهم الاستطلاع قالوا أن الدراسة والمدرسة كانت مصدرًا رئيساً إلى حد ما وساهمت بشعورهم بالتوتر. كما أظهرت دراسة حديثة أجريت على 3300 طالب وطالبة من طلبة المدارس الثانوية في الولايات المتحدة الأمريكية أن حوالى ثلث الطلبة اختبروا شعوراً بالاكتئاب وأن أكثر من ربعهم قالوا أنهم لايشعرون بالارتباط بالمدرسين والزملاء نتيجةً للواقع الذي فرضته جائحة كوفيد-19؛ فقد أثرت العزلة الاجتماعية على الصحة العقلية لهم، إذ أن المراهقين يعتمدون على صداقاتهم للحفاظ على الشعور بقيمة الذات والتحكم بالقلق والاكتئاب.

مصادر التوتر

بالنسبة للأطفال الصغار يُعد التوتر في المنزل عاملاً أساسياً ومصدراً شائعاً لحدوث الضغط النفسي لديهم، فقد ينزعج الأطفال من الخلاف الأسري أو الطلاق بين الوالدان والعيش في منزل جديد أو وصول شقيق جديد. كما تُعد الدراسة مصدر قلق وتوتر آخر ومتكرر للأبناء فقد يكونوا قلقين بشأن الاختبارات والدرجات وقد يتعرضوا للتوتر بشأن تكوين الصداقات أو التعامل مع المتنمرين أو التعايش مع معلميهم.

كيف يمكن للوالدين المساعدة

يلعب الآباء والأمهات دورًا مهمًا في مساعدة الأبناء على التغلب على الضغوط النفسية لديهم ويكون ذلك من خلال تبني عاداتهم الصحية ومساعدتهم على إيجاد استراتيجيات مختلفة لإدارة الإجهاد والتغلب على التوتر. وفي هذا المقام يمكن لنا أن نذكر مجموعة من الإجراءات التي يمكن للوالدين اتخاذها لمساعدة أبنائهم:

أولاً دعهم يحلون مشاكلهم: من الطبيعي أن ترغب في إصلاح مشاكل أبناءك ولكن عندما يقوم الآباء والأمهات بحل كل مشكلة صغيرة أو كبيرة، عندها لا تتاح لهم الفرصة الحقيقية لتعلم مهارات التأقلم الصحيحة.اسمح لهم بمحاولة حل المشاكل منخفضة المخاطر بأنفسهم ليكتسبوا الثقة في قدرتهم على التعامل مع الضغوطات والنكسات ودعهم يتعلموا أن الأخطاء هي تجارب للتعلم.

ثانياً عزز الثقافة الإعلامية لديهم: يقضي أطفال اليوم الكثير من الوقت على الإنترنت حيث يمكن أن يواجهوا محتوىً مشكوكاً فيه وقد يواجهون ضغوطاً متعددة من قبل الأقران على وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا يمكن للوالدين المساعدة من خلال تعليم أطفالهم أن يكونوا مستهلكين رقميين أذكياء عن طريق الحد من الوقت الذي يمضوه أمام الشاشة ومساعدتهم في انتقاء الموضوعات المناسبة لهم.

ثالثاً ساعد أبناءك في محاربة التفكير السلبي: يمكن أن يقع الأطفال والمراهقون بسهولة في فخ التفكير السلبي، فتسمع منهم جملاً مثل: “أنا سيء في الرياضيات” “أنا أكره شعريأو لماذا أجرب؟عندما يستخدم الأطفال الحديث السلبي عن النفس اطلب منهم التفكير فيما إذا كان ما يقولونه صحيحًا أو ذكرهم بالأوقات التي عملوا فيها بجد، فتعلُم تأطير الأشياء بشكل إيجابي سيساعدهم على تطوير المرونة في مواجهة الإجهاد.

رابعاً قلل مقدار التوتر في حياتك وحياة أبنائك: فعندما يبدو الأطفال حزينين أو خائفين قدر مشاعرهم وأخبرهم أنك لاحظت أنهم حزينون أو خائفون واحرص على طمأنة أطفالك وأنه يمكنك فهم سبب شعورهم بالحزن أو الخوف وكن داعماً لهم واستمع إلى مخاوفهم. أظهر الحب والدفء والعناية واحضن طفلك كثيرًا.

خامساً ساعد أبناءك على بناء مهارات التأقلم الإيجابية: شجع التفكير العقلاني لديهم وساعدهم على فهم ما هو الخيال وما هو الواقع. فعلى سبيل المثال عندما يختبر الأبناء في عائلة ما تجربة الانفصال بين الوالدان، يجب في هذه الحالة مساعدتهم وطمأنتهم بأن سلوكهم لم يتسبب في الطلاق، وأنهم ليسوا فاشلين وبأن الأولوية في حياة أهلهم ستبقى لهم.

سادساً دع المشاعر تخرج: شجع أبناءك للتحدث والضحك والبكاء والتعبير، أطلب منهم الكتابة والرسم ليعبروا عما يدور في تفكيرهم وذهنهم، شجعهم على التمرين المنتظم وممارسة الرياضة فهي أحد أفضل الطرق لإدارة التوتر ليس فقط بالنسبة للأطفال بل أيضاً للكبار؛ أنشطة مثل المشي وركوب الدراجة واللعب في الهواء الطلق وممارسة الرياضات الفردية والجماعية تُعتبر مُهمة للتخلص من التوتر والضغط النفسي كن على دراية بما يريده طفلك (وليس ما تريده أنت فقط).

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like