سوسيولوجيا المدرسة بقلم الدكتور يحيى القبالي

سوسيولوجيا المدرسة

سوسيولوجيا المدرسة

بقلم الدكتور يحيى القبالي

إن الاهتمام بالتعليم من أولى أولويات المجتمعات فبالتعليم ترتقي الأمم وتحفظ قيمها وتحصّن أبنائها ضد الجهل والتخلف، ولقد قامت نظريات التعلم بالتركيز على البعد الفيسيولوجي والعقلي والعاطفي للطفل واعتبرت أن هذه الأبعاد الطريق الأمثل والمفاتيح لطرق تعّلمه واكتسابه للمهارات والمعارف، ومع التركيز على هذه الأبعاد في نظريات التعلّم نجد أن الطفل يعيش حياته في جماعة لها مرجعية دينية وثقافية مختلفة يتأثر بها ويتحدد سلوكه الاجتماعي على أساس السلوك العام المتفق عليه داخل هذه الجماعة والتي تفرضها العادات والاعراف والقوانين ، و سوسيولوجيا المدرسة أو علم الاجتماع التربوي جاء بعد أبحاث ودراسات تهتم بدوافع السلوك الاجتماعي لدى الطفل و علاقته مع بيئته الاجتماعية بهدف فهم السلوك ووصفه والتنبؤ به والتحكم به وتطويعه لخدمة أهداف تربوية تمكّن من الالمام بجوانب قد تكون مصيرية بالنسبة لمسار الطفل في اكتساب التعلّم والمهارات والمعارف الضرورية للاندماج في المجتمع بطريقة لا تقصي اختلافاته الفردية ولا خصوصياته الثقافية وتحترم تفرده وإنسانيته.

تعتبر سوسيولوجيا التربية ومن ضمنها سوسيولوجيا المدرسة فرع من فروع علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الظاهرة التربوية من منظور سوسيولوجي وليس منظورًا سيكولوجيًا، أي جانب اجتماعي وليس جانبًا نفسيًا، فعلم النفس يدرس سلوك الفرد، وعلم الاجتماع يدرس الظواهر المجتمعية، أما علم النفس الاجتماعي فهو يدرس الجماعات الصغيرة ومختلف التفاعلات التي تتم بين الأفراد داخلها سواء كانت ايجابية أم سلبية.

و يهتم علم سيسيولوجيا المدرسة بدراسة الأنظمة التربوية والتفاعلات الاجتماعية داخل المحيط المدرسي وأدوار المدرسة مع التركيز على مجموعة من الظواهر الاجتماعية التربوية مثل: السلطة المدرسية، والنّجاح، والإخفاق ، والفوارق الاجتماعية والطبقيّة داخل المدرسة ، والهدر المدرسي، وديناميكية الجماعات ، والشراكة التربوية ، والتوجيه التربوي، والمسالك المهنية ، وديموقراطية التعليم ، وبشكل عام فهو يهتم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تحليلها للظواهر التربوية.

يتكون مصطلح السوسيولوجيا من كلمتين هما: لوغوس ( Logic) بمعنى علم المعرفة، وكلمة ( Society) بمعنى المجتمع ، وبهذا يكون معناها علم المجتمعات البشريّة أو دراسة الظواهر البشرية، أمّا إذا ارتبط هذا المفهوم بالمدرسة فنطلق عليه علم الاجتماع التربوي والذي ينبثق منع علم سوسيولوجيا المدرسة.

و مفهوم المدرسة كما هو متعارف عليه : هي مؤسسة تعليمية تربوية تقوم بعملية التكوين والتأطير والتأهيل إلى جانب وظائف أخرى اجتماعية وسياسية وأيدولوجية وغيرها .

كيف تنمّي المدرسة بعض القيم الاجتماعية لدى الطلبة؟

في ضوء ما ورد في الدليل التشخيصي الإحصائي الأمريكي للاضطرابات النفسية (DSM5) والذي ينص على أن هناك ما يزيد عن( 270 ) اضطرابًا سلوكيًا وانفعاليًا يصيب الإنسان ، وبطبيعة الحال فإنّ المدرسة هي مجتمع مصغر(ميكرو مجتمع) عن المجتمع العام وإن بعض هذه الاضطرابات تظهر لدى طلبة المدرسة، ومن خلال دراسات مستفيضة حول هذه المشكلات، فقد كان هناك مشكلات ظاهرة للعيان وتستحق المتابعة والدراسة لما لأثرها السلبي على مسيرة التعلم، وفيما يلي المشكلات الشائعة لدى الطلبة في المرحلة الأساسية الدنيا حسب بعض الدراسات المتخصصة مرتبة تنازليا بحسب نسبة الانتشار : تشتت الانتباه، العدوان، الفوضى، الكذب، الغش، السرقة، الخروج من الصف، الأنانية، النميمة، عدم احترام الآخرين، الانطواء ، اللعب، الإهمال، حب السيطرة، اللامبالاة، الشتائم، الضرب، التخريب، الخجل، الكسل، الخوف، عدم الترتيب، التكرار، قضم الأظافر، عدم النظافة، المقاطعة أثناء المحادثة، الاستهزاء، الكراهية، عدم الطاعة، قلق الاختبار، قلة المثابرة، عدم النضج، التمرد، التسرب، النسيان، عدم المتابعة، الاستهزاء، العناد، الاتكالية، عدم ضبط النفس، التدخل في شؤون الآخرين، اضطراب النوم.

وإذا تناولنا ظاهرة العدوان نجد أنها تتعدى المظاهر الجسدية واللفظية والإيمائية إلى جدران المدرسة والغرفة الصفية وجدران الحمامات بل تتجاوز ذلك إلى المقعد الدراسي نفسه وكأن الطالب يحاول الانتقام من الضغوط التي يعانيها بتفريغها بتلك الأساليب السلبية.

وعودة على بدء فإن تطبيق النظريات التربوية داخل أسوار المدرسة يتطلب جهدا جسديًا ونفسيًا من العاملين فيها ليس لغرس القيم الإيجابية وحسب بل لإطفاء السلوك غير المرغوب فيه في الوقت نفسه، فالتعلم هو التغيّر في السّلوك. وتسعى المدرسة إلى ايجاد تغير إيجابي في سلوك طلبتها. ويظهر هنا ثقل المهمة التي تنوء المدرسة بحملها إذا ما تخلت عنها الأسرة ومؤسسات المجتمع الأخرى، وعلى المدرسة يقع واجب تشريب الأجيال قيم ومثل ومعايير المجتمع الذي تنتمي إليه من خلال الطابع الاجتماعي المؤسسي الذي تتطلع به، فالمدرسة ليست فضاءً معرفيًا وحسب بل يمتد دورها لشمول العلاقات الاجتماعية المتبادلة داخل أسوارها وخارجها، ونقول على مضض أنّه تم إضعاف الدّور الاجتماعي للمدرسة بل قد لا نكون مبالغين في القول :أنه تم إفشال هذا الدور من خلال ضغوطات السياسة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وكمؤشر على ذلك فقد سجلت درجات العنف المدرسي ما نسبته 77% في المجتمع المتحضر ( المدينة) و 23% في المجتمع القروى.

وليس بالمنهاج المدرسي وحده يمكن غرس القيم والمثل والمعايير الاجتماعية بل يمكن ذلك من خلال الأنشطة اللامنهجية ، كالرحلات المدرسية، والحركة الكشفية، والإذاعة المدرسية والطابور الصباحي ، واستغلال المناسبات الدينية والوطنية والمكتبة المدرسية.

دور المعلم في تنمية بعض القيم الاجتماعية لدى الطلبة.

يقع على عاتق المعلم الدور التنفيذي لما اتفق عليه المشرّعون في صفحات المنهاج وهو عبارة عن رزمة من الواجبات المتجانسة والتي تفضي إلى زرع بعض القيم المختارة بعناية القابلة للتطبيق، مع رسم الخطوط العريضة للمعلم من خلال دليل المعلّم والدورات خلال الخدمة التي تظهر قيمة الأعمال المنوطة في المعلم داخل الصف وخارجه، ويتمثل دور المعلّم في غرس القيم في نفس التلميذ بحيث يكون التلميذ أقرب إلى زملائه ومستعدا لإسعادهم والتضحية من أجلهم مما يسهّل عليه التكيف مع مجتمعه وبالتالي الانضباط الاجتماعي و أكثر إيجابية وتفاعلا مع غيره. ولا ينتهي دور المعلّم بانتهاء دروس المنهاج وتسهيل فهمه واستيعابه لطلبته، بل يجب أن يكون قدوة حسنة لهم من خلال تطبيقه للمنظومة القيمية التي قام بتدريسها من حيث:

أولا: صفات شخصية:

1-النظافة والترتيب.

2-الصدق والأمانة.

3-الإخلاص والانتماء لمهنته.

4-التكيف مع مجتمعه المدرسي.

5-روح الصداقة والمرح.

6-جاهز للمساعدة في كل وقت.

ثانيا: صفات مهنية:

1-التخطيط السليم.

2-تطوير الذات.

3-التجديد والبعد عن الروتين.

4-العمل بروح الفريق.

5-الحرص على تعلّم الطلبة.

والمعلم لا يعطي إلا إذا توفرت له الظروف للعطاء وإذا أردنا أن يحب المعلم مهنته، وجب علينا أن نشعر المعلم بحب المجتمع وتقديره له ، ولا يخفى على أحد الفجوة التي أحدثتها التغيرات الأخيرة في المجتمعات الحديثة وما تركته من تصدعات أخلاقية ألقت بظلالها على علاقة الطالب بمعلمه والاستخفاف بمخرجات التعلم، فالطالب ابن المجتمع وكذلك المعلم والعاملين في سلك التربية والتعليم فهم يتأثرون ويؤثرون بما يتأثر به المجتمع.

ومن نافلة القول أن الواقع القيمي الاجتماعي قد تفلّت من يد السلطة ، وإن كان ما يزال هناك سيطرة على وضع التعليم فمن الضرورة بمكان التركيز على الوقاية لأنها خير من العلاج ولا يجب الانتظار حتى يخرج الوضع التربوي عن السيطرة بكليته.

ويجب أن نعترف بأن هناك أزمة قيمية ألقت بظلالها على كل أطياف المجتمع وتغلغلت داخل الأسرة ، مما يضطرنا للمطالبة بإعادة النظر في العقد الاجتماعي، ذلك العقد الذي يتكون من حلقات متصلة ببعضها ولا يمكن فصل حلقة عن أخرى أو علاج حلقة وإرجاء علاج الحلقات الأخرى إلى حين ميسرة، وبمعنى آخر لا يجوز التعامل مع هذه الحلقات بمبدأ القطعة أو التجزئة فهي بمثابة متوالية رياضية إذا اختل منها جزء أدّى إلى اختلالها كاملة.

إن الخطب الرنانة والاستعراضات الفارغة لا تعالج واقعا ولا تسد فراغا ، والأدهى والأمر هو هدر الموارد وتهميش الكفاءات والدوران في دائرة مفرغة، وجلد الذات وتبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية.

وبكل موضوعية نجد في الجهة المقابلة قوى الشد العكسي التي تسعى بقصد ودون قصد لهدم قيم المجتمع وتمييع شخصية أفراده، والمدرسة جزء من المجتمع الكبير، وما أسرع انتشار التقليعات والمظاهر الهدامة والتي تنتشر في المجتمع المدرسي كالنار في الهشيم، و يمكن حصرها بالشخصيات المشهورة : كلاعبي كرة القدم، والمطربين، والممثلين ، فقد أصبحت هذه الفئات الشغل الشاغل لأفراد المجتمع لا سيما من هم في عمر الشباب، وساعد في انتشارها وسائل التواصل الاجتماعي والتي تبث السم بالدسم وتبث القيم الهدّامة دون هوادة ، مما أوجد خلل قيمي لدى مجموعات الطلبة جعلت أكثرهم يخرجون عن السيطرة.

إن ما يؤرق المجتمعات حقا هي نسب البطالة التي تتفاقم يوما بعد يوم وما تسببه من شلل للمجتمعات وأثرها العميق على العاطلين عن العمل من الخريجين وعلى من هم على مقاعد الدراسة بعد، ويتعدى أثر البطالة على المجتمع ككل بمسبباتها ونتائجها المدمرة على جيل الشباب ، فأغلب نسب الانتحار تتصدرها الأسباب المادية، وكذلك التطرف، وتعاطي المخدرات للهروب من الواقع المريروليس هذا مبررا بالطبع، والتعّدي على حقوق الآخرين دون أدنى حق، وكل ذلك ناتج عن ضعف التخطيط الاستراتيجي الفعال، وباختصار: غزارة في الانتاج وسوء في التوزيع، أعداد خريجين تربطها علاقة طردية بنسب البطالة.

لا بد من وقفة جادة حازمة تعيد المياه إلى مجاريها ، وتكاتف وتضافر كل الجهود من أجل تجديد العقد الاجتماعي و إعادة القيم المجتمعية المستسقاة من الدين وأعراف وتقاليد المجتمع إلى جادته.

ولا يتم ذلك إلا بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومتابعة عمله والشد على يديه، وتوفير كل الامكانيات الحكومية الكفيلة بتنفيذ الخطط دون تلكؤ أو تسويف ، فالقطار قد يفوتنا ونجد أنفسنا نغرد وحيدين خارج السرب، وقد يختصر بيت الشعر التالي الكثير من الحديث: متى يبلغ البنيان تمامهإذا كنت تبني وغيرك يهدم؟.

وحتى لا يتسلل اليأس إلى نفوسنا ونقطع الرجاء بالإصلاح فلا بد من توجيه بعض النصائح للتربويين ومن يعمل في مجال التعليم فشمعة واحدة كفيلة بتبديد ظلام غرفة كاملة، وقليل من التضحية قد يساهم بإنقاذ أجيال ، ومن أهم النصائح: ألا يترك العلماء والمفكرين الساحة أمام المغرضين وأن يجتهد كل حسب قدرته واستثمار العقول والتواصل مع المدرسة ولنتخذ من الخطوة التي قامت بها دولة اليابان المتمثلة بتدريس مادة الأخلاق في الصفوف من الأول حتى السادس الأساسي يتعلم فيها الطفل الأخلاق وكيفية التعامل مع الآخرين ودور الابتسامة وعمل الخير وصلة الرحم والكثير من الصفات الايجابية الكفيلة بغرس القيم الحسنة والمثل والمعايير التي يحتاجها المجتمع ليبقى متماسكا متطلعا إلى غد أفضل.

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like