بين التعليم والتعلم المسيطرون كثيرون …. لكن القادة نادرون

بين التعليم والتعلم بقلم الدكتور محمود المساد

بين التعليم والتعلم
المسيطرون كثيرون …. لكن القادة نادرون
نجحت القرود في السيطرة على السيارة، لكنها عجزت عن قيادتها

لا ينكر عاقل أن بين التعليم والتعلم مسافات وآهات، بل هو الفرق بين الفعل الماضي وفعل الحاضر والمستقبل، بين الفشل والنجاح، بين ما لا يلزم وما هو مطلوب وضروري، ويقال: نعيش لنتعلم، وفي الأمثال يتعلم المرء من كيسه (أي من جيبه وتعبه ومرارة التجربة التي مرّ بها). وحتى عندما درسنا بدهيّات التربية والتعليم قالوا لنا: إن التربية هي الحياة، وأنها تمكين الفرد من متطلبات عيشه في الحياة بنجاح، دون تحديد للمدّة الزمنية وظروف الحياة ومتغيراتها، وعندها لم ندرك أن الحياة تتغير بسرعة، وأن المعلومات غير مستقرة وغير نهائية والأفضل ألّا نحفظها بل نعرف كيف نصل إليها

بين التعليم والتعلم بقلم الدكتور محمود المساد صوره توضيحيه

والبحث في الإدارة والقيادة ومفاهيم كل منها يقود إلى إدراك أن مرض العصر يكمن في الإدارة، وأن الإدارة أهم من التخصص، وأن الموقع لا يتكلم ولا يفقه بل من يتكلم ويُفكر هو شاغل الموقع. فهو المدير والقائد الذي يقطر فهماً وحكمة ورؤية- في الموقع وخارج الموقع – يكبر به الموقع ويتعاظم معه الإنجاز. ولكن مصيبتنا في التوجه والغاية من وجود الموقع أصلاً، ولماذا استُحدث؟ وهل متطلبات العمل والمهام لهذا الموقع محددة؟ وهل شاغل هذا الموقع قادر على أداء هذه المهام والأعمال كما خطط لها؟ أم سائرة والرب راعيها؟

إن المفارقة العجيبة بين ما هو قائم وما ينبغي له أن يقوم عليه تُثير الاهتمام في البحث عن مفهوم السيطرة، وماذا يعني هذا المفهوم في الإدارة وفي القيادة وفي إنجاز الأعمال، متى يكتمل هذا المفهوم شكلًا ومضمونًا، ومتى يبدو أعرج مشوهًا معيقًا. فالسيطرة مفهومًا أو التحكم، هي واحدة من الوظائف الإدارية، مثل: التخطيط والتنظيم والتوجيه… وفقًا للمفاهيم الحديثة، ويُعدُّ مفهوم السيطرة إجراءً متوقعًا في حين لم يتم استخدام مفهوم التحكم إلّا عند اكتشاف الأخطاء، وعليه فالتحكم بالإدارة يعني وضع المعايير وقياس الأداء الفعلي، واتخاذ الإجراءات التصحيحية. وبهذا تكون السيطرة أكثر وضوحًا عندما تنطوي على تعهد ما يفرض تنفيذ كل شيء وفقاً للخطة المعتمدة، والأوامر التي صدرت، والمبادئ التي تم وضعها. هدفها الأول الإشارة إلى الأخطاء من أجل تصحيحها ومنع تكرارها

ولكن ما هو قائم من مفهوم السيطرة والتحكم هو الاستيلاء على السيارة، وإعلان سيطرة الفرد أو المجموعة عليها، أي أنها تحت تصرفهم وفي حوزتهم، بل إنّها مُلكيّة خاصة بهم ولهم. لهذا أوردت في العنوان أن القرود نجحت في السيطرة على السيارة، لكنها عجزت عن قيادتها. وهُنا تجدر الإشارة إلى مفهوم القيادة أو مفهوم الإدارة الفعّالة. إذ تعني أنها نشاط إيجابي بالدرجة الأولى يقوم به فرد وبقرار رسمي تتوفر فيه سمات وخصائص قيادية، يُشرف على مجموعة من العاملين لتحقيق أهداف واضحة بوسيلة التأثير واستخدام السُلطة بالقدر المُناسب وعند الضرورة، ولهذا عرّفها بعض المتخصّصين بأنها فن التأثير على الآخرين

وهذا يقودنا إلى أن من يقود أو يُدير بطرائق فعّالة هو مُتمكن ماهر يعرف إلى أين يذهب وأي الطرق يسلُك وأي الأدوات يختار، وكيف يستثمر في الآخرين ممن يعمل معه ومن يتعامل معهم أفضل ما لديهم من مهارات وقُدرات لإنجاز الأعمال بفاعلية. وهذا يعني بشكل مباشر أنه مُسيّطر ومُتحكم ومُنجز. لكن المُصيبة عندما نفصل بين المفهومين، نتغنى بالسيطرة ولا نعرف القيادة، فتصبح السيطرة معناها الاستحواذ والمُلكيّة دون النظر أو الاعتبار إلى ما ينبغي للمؤسسة أن تُنجزه، ولا حتى لماذا هي موجودة أصلًا. وكأن الإنجاز هو في السيطرة عليها لمجرد السيطرة. وعليه أوردت عبارة “المسيطرون كثيرون… لكن القادة نادرون”
أمّا في حال التعليم فإننا نسيطر على مؤسساتنا وطلبتنا لمجرد السيطرة والاستحواذ، فقط لنخطب عليهم، ونُسمعهم كلامًا لا يحتاجون إليه، مقابل الكُلّف العالية التي يدفعها الوطن لمجرد أننا كررنا أنفسنا بهم، وحشونا عقولهم المتعطشة بما لا يفيدهم

نعم إننا المسيطرون، أنظر إلى الأبناء جيل المستقبل يحافظون على ما حافظنا عليه، تسلّمنا نحن الراية، وسلّمناها لهم كما هي، ونأمل أن يقوموا بتسليمها لمن بعدهم كما هي دون تغيير، ولا يهمنا أن العالم يتغير من حولنا، أصبحوا منتجين للمعرفة، مبتكرين للأدوات، عبروا البلاد والعباد، وحولوا غيرهم مستهلكين وتابعين. لكن كل ذلك لا يهمنا، فالأهم أننا أحياء نتنفس
وهنا لا بد من صحوة مهما ارتفع الصوت وزادت قوة الهزة، لا بد من الاستيقاظ وفهم معنى التعلّم، معنى أن نتوجه إلى الطلبة، إلى ما يتطلبه العصر والمستقبل من مهارات ومعارف، نتوجه إلى التمكين، إلى ما ينفع الفرد في العيش الناجح في مستقبل متغير على الرغم من ضبابيته

إن المستقبل الأفضل لأي دولة يقع بالدرجة الأولى على عاتق أبنائها، خاصة عندما يتسلحون بالمهارات والمعارف والاتجاهات التي تمكنهم من العيش بنجاح في ظروف صعبة ومتغيرات متسارعة، لا يفيدهم بها ما يحفظون من معلومات أو ما درسوه واختُبروا به وتحصلّوا على علامات عالية. ما ينفعهم ما تعلموه بجهودهم وبسعيهم الحثيث وطموحاتهم العالية بعد أن تمكنوا ومارسوا المهارات التي أوصلتهم للمعرفة المتجددة، وما أنتجوه من هذه المعرفة، وما أضافوا للمعرفة وافتخروا به بوصفه إنجازًا خاصًا لهم ولوطنهم

إن التعلّم اليوم هو حصان الرهان الذي على النظام التعليمي أن يختاره بشكل صحيح، ويمتطيه بشكل صحيح، ويهيئ له البنى والهياكل والتشريعات الكفيلة بتطبيقه سواء كان ذلك في محتوى التعلم وأدواته، أو في بيئات التعلم الأنسب في المدرسة وخارجها، أو في من ييسر هذا التعلم وينفذه ميدانيًا بالعطاء والتوجيه والتقييم
إن هذا التعلّم يحتاج إلى أرادة التغيير، كما يحتاج إلى فرسان التغيير ومُريديه، وبعد ذلك يصبح يسيراً عندما يرى المجتمع النتائج في عقول أبنائهم وسلوكهم المبدع

الدكتور محمود المسّاد

مدير المركز الوطني لتطوير المناهج

قرا المزيد

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like