القادة يصنعون بيئة التعلم الحاضنة بقلم الدكتور محمود المسّاد

القادة يصنعون بيئة التعلم الحاضنة بقلم الدكتور محمود المسّاد

القادة يصنعون بيئة التعلم الحاضنة

بقلم الدكتور محمود المسّاد

مدير المركز الوطني لتطوير المناهج

عندما نتناول بالحديث والحواربيئة التعلم، فإن الذهن ينصرف إلى البيئة المادية المدرسية، سواء أكان ذلك متعلقا ببيئة الفصل الدراسي أم بمجال المدرسة، وموقعها من حيث سهولة الوصول إليها ومحيط الموقع وصحته وأمانه، والأثاث المدرسي وتهوية الصفوف وغير ذلك من جوانب البيئة المادية المدرسية

وحديثا، أضيفت البيئة التقنية المتجددة التي تسهل عمليات توظيف أفضل الحلول التقنية وأكثرها جاذبية. ومع أن البيئة المادية والتكنولوجية هما الأساس في البيئة المدرسية، إلا أنهما لا تعملان على إحداث الفرق المطلوب في معارف الطلبة ومهاراتهم واتجاهاتهم المُفضية للتميز. بل إن العمل في إطار جوانب البيئة الأخرى هو الذي يذكي التفاعل ويزيد من وتيرته من حيث اندماج الطلبة الذي هو الأساس، وزيادة التعلق والتعمق في البحث، وجمع البيانات ونقدها وتحليلها، واستخلاص الاستنتاجات منها عن طريق توليد المعرفة وإنتاجها

ولهذا، فإن تعريف بيئة التعلم يتناول أبعادا أُخرى تثري حافزية بيئة التعلم، وتعمّق من عمليات التفاعل المُجدي الذي يضمن اندماج الطلبة في التعلم وتأملهم به على طريق الإبداع. وهذه الجوانب هي: بيئة التعلم التربوية، وبيئة التعلم الاجتماعية، وبيئة التعلم النفسية. وكلها تنطوي تحت بيئة التعلم الجامعة، أو الشاملة التي على مقياس مُناخ المدرسة الشامل يتحدد اتجاهها نحو الإيجابية أو السلبية، ونحو ذروة التفاعل المفضي للتميز

وعلى هذا الأساس نقول وفق مجموعة من الثنائيات: إن بيئة التعلم فقيرة / غنية؛ مملة / ممتعة؛ حديثة / تقليدية؛ جاذبة / طاردة؛ منفتحة / مغلقة؛ مريحة تثير الحماس والتعلق / ضاغطة تدفع للهرب والسخط

ومع أن التربويين يتعمقون بالجدل حول التأثير المباشر، وغير المباشر لبيئة التعلم على تعلم الطلبة، بما فيه ارتباطهم وتعلقهم بما تعلموه، ودافعيتهم للتعلم وحسهم الإنساني، وانتماؤهم للمكان وأمانهم الشخصي؛ إلا أن الواضح أن الوصف العام لبيئة التعلم بالإيجابية أو السلبية يرتبط بقوة بالواقع الاجتماعي، والمشاعر التي تسود غرفة الفصل والمدرسة. وعليه، فإن مفهوم بيئة التعلم الافتراضي أو المادي يصبح مرتبطا بالوضع والكيفية والشروط التي حدث بها التعلم

إن مفهوم بيئة التعلم الجامع في المدرسة، أو الفصل الدراسي يرتبط بالطلبة المختلفين في قدراتهم، والحاصلين على التعليم في مكان واحد. وهذا بالتحديد يعني إمكانية تعلمهم بنسب مختلفة وبدرجات متفاوتة. ولكن مدى مناسبة هذه البيئة للتعلم بمستويات عُليا تقود إلى التميز وإنتاج المعرفة يتوقف على مقدار توافر الشروط والمواصفات الأنسب لبيئة التعلم الإيجابية، بل ولبيئة التعلم الجاذبة

وهنا، لا بد من الإشارة، بشيء من التركيز إلى مفهوم جاذبةودلالاته في سياق بيئة التعلم من حيث جذب مَن هم خارج بيئة التعلم، وتعلّق مَن هم داخلها، حتى يصبح الذين هم في هذه البيئة الإيجابية المرتبطون بها مسوقين لها في نظر مَن هم خارجها لكي ينجذبوا لها. لذلك، نتحدث هنا عن بيئة التعلم الجاذبة التي ترتفع فوق مستوى الإيجابية على مقاييس المناخ المؤسسي، والدرجات العالية التي يؤشّر عليها

ومن الأمور التي لا يختلف عليها أحد من التربويين، أن التفاوت بين تعلم الطلبة في المدارس المختلفة مرتبط بقضايا متعددة: فمنها ما يؤثر بقوة، ومنها ما يؤثر بشكل أقل، ويزداد التأثير أو يقل بحسب الموقف وظروفه ومتغيراته، فلا يستمر التأثير الأكبر للمعلم، كما لا يستمر التأثير الأقل للأهل، وهذا يعني أن جميع العوامل ذات العلاقة بالتفاعل الصفي أو المدرسي لها أهميتها في غِنى التفاعل، وحِرفيته وأثره في التعلم. لكن نحن نتحدث عن أيّ العوامل التي تصنع الفرق، وعن حزمة العوامل التي من شأنها أن تصنع التميز وتعزّز حتمية وقوع التعلم بمستويات عالية؟

إن الكثير من الدراسات التربوية والعديد من التجارب الناجحة في هذا المجال أكدت على جملة من القضايا التي تجعل بيئة التعلم جاذبة، وترفع من نسب التعلم، وتصنع الفرق في معارف الطلبة ومهاراتهم واتجاهاتهم، وتضعهم مع أدائهم للعمليات ونتاجاتهم في مستويات التميز. وعليه، فقد تم تلخيص هذه القضايا على شكل حُزَم ومجموعات من العلاقات الارتباطية التي تعمل معا لصياغة بيئات التعلم الجاذبة

على النحو الآتي

أولًا: القيادة المُلهَمة مرتفعة الذكاء العاطفي المتمكنة من مهارات السيطرة والتحكم (البعد الرابع)، إذ توصف القيادة المُلهَمة بأنها هي التي توظف قدراتها العالية بالعمل معا على القلب والعقل، أي القيادة التي توظف ذكاءها العاطفي في إحداث التجاوب الإيجابي مع الأفكار التي تقوم بطرحها، وتزيد من ثقة العاملين بهم، وتدفعهم بالتدريج إلى اتباع القادة الذين يوصفون بالمتناغمين، حيث تجد أفكارهم تأثيرا إيجابيا، له صدى عميق في مشاعر العاملين ونفوسهم من جهة، وثقة في مستقبلهم وأمان لحياتهم الوظيفية وتلبية لاحتياجاتهم، وخاصة ما يتصل منها بالحاجات المعنوية والاعتبارية، وتحقيق الذات من جهة أخرى

وفي هذا ضمان لإنجاز القادة لبيئات التعلم الحاضنة لتفاعل مطمئن متكامل، يعمل بتفاعل منجز يريح بال العاملين ويلبي احتياجاتهم، ويزيد من ثقتهم بأنفسهم وأعمالهم، ويرفع من مستوى تحملهم المسؤولية، ويوطّد العلاقات الاجتماعية الوظيفية الرسمية وغير الرسمية بينهم. وفي هذا السياق أكدت الكثير من الدراسات على أن العلاقات الارتباطية الطردية بين رضا العاملين وتعاونهم وعملهم المشترك المسؤول وبين الإنجاز الأعلى بحركة ديناميكية ترتفع من مستوى إلى مستوى أعلى وصولا إلى ذروة التفاعل المنجز

وفي هذا الصدد، نتحدث عن قادة يمتلكون مهارات عالية وكفايات شاملة تضمن لهم مستويات تفكير عليا فوق معرفية في مجال السيطرة والتحكم، حيث يُمسك القادة بجميع الخيوط في العمل المدرسي بتوازن ودعم يزيد من قدراتهم في التوجيه والتحكم الموجّه نحو الأهداف بما يسمّى بالبعُد الرابع، وهنا تتضح العلاقات الارتباطية التي تؤشر على نضج الفعل في صياغة بيئة العمل الإيجابية الحافزة لقدرات العاملين على إنجاز تعلم الطلبة بمستويات منافسة

ثانيا: التفاعل النشط بين جميع مدخلات النظام المدرسي متعدد الجوانب، والمستويات التي ترتقي بفعل التعلم إلى الإبداع. وهنا نتحدث عن تدرج تراكمي بالفعل المدرسي في معارف الطلبة ومهاراتهم واتجاهاتهم عبر خمسة مستويات تنتهي بالإبداع. وبعد الاطلاع على الشكل التالي لا بدّ أن تراه بشكل أعمق من شبكة التفاعل في بُعد العمليات التي هي وفق تدرج شدة التفاعل من رقم (1) إلى رقم (5)، بما فيها الجوانب المتعددة (المدخلات)، والمستويات المتعددة (الحِرفية)

الإنجاز المبدع

 عمل الأشياء والتفكير بها وتأملها

الاندماج في مهارات التفكير العليا

 المعرفة، والمهارات، والاتجاهات (ممارسة)

 الإصغاء والقرءة، والكتابة، والمناقشة والمشاركة في حل المشكلات

شكل (2) التعلم النشط القائم على التفاعل متعدد المستويات والمجالات

وبهذا، نصل إلى ما يسمى بالتفاعل النشط الذي يطاول إنتاج المعرفة وتوليدها. وهنا لا بد من إدراك أن شدة التفاعل مرتبطة بما يُضاف لمدخلات النظام من عناصر وأشياء اكتسبتها أطراف التفاعل بالخبر؛ة ليكون الأداء محترفا وبنكهة خاصة تعكس خصوصية المدرسة من مثل: المناخ التظيمي، ودرجة الاحتراف في الأداء، ومستوى توظيف اللغة، ولغة الجسد في التواصل والاتصال، وترسيخ ثقافة المدرسة وقيمها وثقافة العاملين وقيمهم، وهي ثقافة قيمية راسخة لمجموعة في إطار مؤسّسي لا تخضع للتقلب والمزاج اجتمعت معا في توليفة واحدة تشكل نكهة المدرسة، وخصوصية الفعل القيادي الجماعي لها

ثالثًا: الطلبة وتنمية المشاعر والأفكار التي تضمن اندماجهم بالتعلم، وتدعم ثقتهم بأنفسهم، وتغمرهم بالسعادة بإنجازاتهم، وتلبي احتياجاتهم الفردية بوجود معلم يستخدم أساليب، ووسائط تعليم تنسجم وتتوافق مع أنماط تعلمهم وذكاءاتهم الخاصة. وقد أشار (النعيمي. 2013) في معرض تحليله لنتائج طلبة دولة الإمارات العربية المتحدة في الاختبارات الدولية في منتدى السياسات الذي عقدته وزارة التربية والتعليم، أن الطلبة الأكثر تميزا في درجاتهم هم الذين أبدوا اهتماما أكثر، وكان لهم طموحات وأهداف مستقبلية واضحة

وفي هذا السياق نؤكد على شبكة الاتصال والتواصل المدرسية وتمكّن العاملين في الإدارة وهيئات التدريس من مهارات الاتصال، وتوظيف الذكاء العاطفي في تعميق العلاقات الإنسانية بين أسرة المدرسة عن طريق الأنشطة المتعددة القائمة على احتياجات الطلبة، والكوادر وأنماط تعلمهم من جهة، وتوظيف البُعد غير الرسمي في الاتصال، وتشكيل مجموعات العمل والصداقات الإيجابية داخل المدرسة وخارجها من جهة أخرى. مع إدراك قيادة المدرسة بأن التعلم المُجدي هو تعلم اجتماعي بالضرورة، وأن قيم المجتمع وتوجهاته العامة والخاصة هي القاعدة التي توجه بشكل مباشر، وغير مباشر تعلم الطلبة القائم على اهتماماتهم وطموحاتهم المستقبلية

رابعًا: ارتفاع درجة التوافق بشكل طردي بين قيادة المدرسة وكوادرها من جهة، ومستوى الإنجاز والفاعلية من جهة أخرى. ولقد أدرك التربويون أن مجتمع الأسرة المدرسية قائم على التفاهم والثقة والعمل المشترك، وأن هذا التفاهم بدرجاته العالية يعكس المسؤولية الجماعية وتقاسم النجاح. وأكدت الدراسة التي أجراها (المسّاد،2011) على عينة من المدارس في المملكة العربية السعودية أن درجة التوافق بين كوادر المدرسة – إدارةً وهيئات تدريس – تتناسب طرديّا مع مستوى الإنجاز، فكلما ارتفعت درجة التوافق على خطط التغيير والتطوير المدرسي، وكانت قائمة على القناعات والعمل المشترك بينهما قادت إلى إنجازات أعلى، والعكس صحيح

وحقيقة الأمر، أن هذه الحالة تعكس قدرات القيادة المدرسية على إدارة عمليات التغيير والتطوير المدرسي، وتعكس حالات العمل المشترك والتعاون القائم على الثقة، وبناء الحس الجماعي في المسؤولية وعوائد الإنجاز، فضلا عن عكسها الأجواء التفاعلية الإيجابية التي تسود المدرسة، وتنعكس في سلوك الطلبة وقيمهم وسمات شخصياتهم عموما

خامسًا: وضوح مؤشرات المناخ التنظيمي المريح المحقق للرضا الذي يتصف بديناميكية الاتصال والتواصل، وتكثير شبكة العلاقات الاجتماعية في المدرسة ومجتمعها المحلي. وفي هذا الصدد ظهرت مبادرات متعددة تحدثت عن المدرسة المجتمعية والمدرسة المفتوحة والمدرسة بلا أسوار، وكلها تؤكد على ضرورة تبادل المدرسة التأثر والتأثير مع مجتمعها المحلي. وهذا بدوره يتفق مع المنادين بضرورة التوافق عالي الدرجة بين المدرسة والسياق الثقافي لمجتمعها الذي تعيش فيه، إضافة إلى أن هذا التصالح مع المجتمع يدعم المدرسة التي أنشئت أساسا؛ لتنوب عنه في تدريس الأبناء

وفي الحقيقة، يرغب المجتمع في تميز المدرسة التي تُعنى بتميز النظام التعليمي من جهة، وتُعنى باهتمام الآباء بنجاح أبنائهم وتميزهم في أي مجال قصدوه داخل الوطن وخارجه من جهة أخرى. كذلك تسعى المدرسة بشكل دؤوب إلى كل ما يدعم تميزها ويرضي الأهل. ومن هنا يحرص التربويون إلى لفت الانتباه بتوسيع ساحات التعلم لتشمل مجال المدرسة بكامله بدل أن يكون مقصورا على غرف الفصول الدراسية، والدفع بهذه الساحات خارج أسوار المدرسة لتكون هي الأخرى مجالا واسعا للتعلم. وعليه، فقد تغير مفهوم المنهاج الدراسي ليعني كل ما يخطط للطالب أن يتعلمه داخل المدرسة وخارجها، كما تغير مفهوم بيئة التعلم ليشمل كل مكان يحدث فيه التعلم داخل المدرسة وخارجها، ويظهر هذا بوضوح عند إضافة مفردة الجاذبةإلى مفهوم بيئة التعلم، كونُ توسيع هذه البيئات يلبي احتياجات الطلبة وأنماط تعلمهم المتنوعة بصورة أفضل من جهة، وتحرير أذهان الطلبة من المدرسة التقليدية، والصف التقليدي، ومن المعلم الذي يشرح، والطالب الذي يحفظ والخوف والقلق، وشعور التحيز الذي يرافق كل ذلك من جهة أخرى

إن خلخلة هذه الأطر الفكرية، تلتقي مع طرائق تعلّم وتعليم متنوعة حديثة تنسجم مع هذا التغير والانفتاح، وتتسم بالمرونة والتشويق والتعلم الذاتي من جهة، وتنبني على حاجات الطلبة واهتماماتهم من جهة أخرى، إضافة إلى التغير الجذري بوسائل الضبط الذاتي القائم على تحمل المسؤولية، وبناء الشخصية المستقلة. وحين يتحقق ذلك كله في فكر إدارة المدرسة، وهيئات التدريس، والأهل، عندئذ يشعر الجميع بثقافة مدرسية مريحة وقيم يسودها الرضا ويعمرها الجذب والإقبال على التعلم

وهذا لن يتحقق إلا إذا تمكن كلّ من يعمل بهذه المدارس من امتلاك مهارات الاتصال والتواصل الإيجابية المستمرة، ذات الوسائط المتعددة التي تتسم بدينامية الحركة

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like