مفاهيم ومصطلحات الموهبة والتفوق وإشكالية الخلط

مفاهيم ومصطلحات الموهبة والتفوق وإشكالية الخلط نزار المساد 1

مفاهيم ومصطلحات الموهبة والتفوق وإشكالية الخلط بقلم الدكتور يحيى القبالي

إن الشجاعة الفكرية هي القدرة على مواجهة سطوة الأفكار الخاطئة السائدة بقوة الشهرة

يشعر المتتبع لمجال الموهبة والتفوق بحالة من الذهول جرّاء حجم الخلط القائم في هذا المجال ، وتنتابه حالة من اليأس لصعوبة الخروج من الوضع الشائك والذي يزداد فيه ذلك الخلط يوما بعد يوم، ولا يقتصر ذلك الحال على وطننا العربي فقط، بل يتجاوزه إلى شتى بقاع الأرض، فبمجرد الاطلاع على الأبحاث والدراسات، وحتى المؤلفات في هذا المجال نجد في مستهلها جملة مكررة لا تفارق أي دراسة أو بحث أو محاضرة، ألا وهي: (لا يوجد اتفاق على تعريف معين للموهبة، وأن مجال الموهبة من أكثر المجالات خلطا) .

يقول (معوض )”: لقد أصبح مستقبل الدول وتقدمها في امتلاك ناحية العلم والتكنولوجيا المتطورة يعتمد إلى حد كبير على مدى اهتمام هذه الدول بالموهوبين والمتفوقين ورعايتهم، وتوفير المناخ لإطلاق قدراتهم الإبداعية” .

ويقول (الخالدي): “حق كل فرد من أفراد المجتمع الانتفاع من الخدمات التربوية والتعليمية التي تساعده في النمو والوصول إلى أقصى مدى تؤهله إليه قدراته“.

ويؤكد هذا القول عميد الموهبة والتفوق في الوطن العربي أ: د. فتحي جروان(2017م): “إن موضوع الخصائص السلوكية للأطفال الموهوبين والمتفوقين عقليا كان ولا يزال على رأس قائمة الموضوعات التي تحظى باهتمام كبير في مراجع علم نفس الموهبة ، وقد تركزت دراسات الروّاد وكتاباتهم في مجال الكشف عن هؤلاء الأطفال ورعايتهم على تجميع الخصائص السلوكية والحاجات المرتبطة بها الدراسات وفهمها” .

من هذا المنطلق ظهر الاهتمام بالفئات غير العادية، واحتل موضوع المتميزين عقليا اهتماما متزايدا في عدد كبير من دول العالم، إذ يعدّون ثروة وطنية وقومية ؛ لما يمكن أن يسهموا في مستقبل وطنهم وأمتهم( المعايطة، البواليز،2000م).

فالموهوبون والمتفوقون يمثلون موردا بشريا هاما يفوق قيمة أي من الموارد المالية الأخرى، وهم الثروة الحقيقية لأي أمة، ويحتل الموهوبون والمتفوقون مركزا متقدما في سلّم ذوي الاحتياجات الخاصة، والاهتمام بهم لا يقل أهمية عن الاهتمام بفئات الاحتياجات الخاصة الأخرى.

وتكمن الاشكالية في تصنيف هذه الشريحة ومسمياتها وتعريف كل منها على حدة، في اختلاط هذه المفاهيم على كثير من الكّتاب والمؤلفين وبخاصة أولئك الذين هم من خارج دائرة التخصص، بالإضافة إلى الترجمة الحرفية غير الموفقة ومصادرها المختلفة ، وإذا نظر القارئ في أدب الموهبة والتفوق، تبادره مسميات كثيرة تدل بمجملها وتنتمي إلى مفاهيم محددة وهي: (الموهبة، والتفوق ) ومن هذه المسميات على سبيل المثال لا الحصر: المبدعون، المتميزون، العباقرة، الأوائل، النبيهون، الأذكياء، الموهبة العقلية، النوابغ، المبتكرون، اللامعون، بالإضافة إلى كثير من المسميات العامية أيضا

وهذه تعدّ مشكلة بحد ذاتها دعت إلى التوافق على معجم باللغة العربية يعّرف كل فئة ويميزها عن غيرها من خلال خصائصها المتنوعة، ويمنع الاختلاط والتداخل بين هذه الخصائص، ووضع القارئ والدّارس في دوامة عدم القدرة والتفريق بين المفاهيم كافة، فتارة نجد الباحث يتناول موضوع الابداع أو التفوق، ويدخل دون قصد لذكر الموهبة، وتارة أخرى نجد بعض الباحثين يتناولون موضوع الإبداع وتجدهم قد تطرقوا إلى موضوع التفوق الأكاديمي، وما تزال إشكالية الخلط قائمة حتى اللحظة وفي كل يوم تتسع دائرة الخلط بين هذه المفاهيم الخمسة التالية:

1-الموهبة Giftedness

2- التفوق الأكاديمي Academic excellence

3- التفوق العقلي Mental excellence

4- الإبداعCreativity

5-الابتكار Innovation

ولم يكن النموذج الذي قدمه ( رينزولي) –معتمدا على تعريف ( ميرلاند)-مقنعا وملبيا للطموحات، وبقي الخلط قائما حتى بعد مبادرة ( جانيه) الذي قام من خلالها بالتفريق بين الموهبة والتفوق، ومع ذلك بقي الخلط قائما بسبب عدم وضوح بعض الجوانب في نموذج (جانيه) .

* ولكن ليس من الحكمة أن نشير إلى جوانب الضعف دون أن يكون لدينا بديل ناجح ويلبي الرغبات.

أسباب الخلط بين مفاهيم ومصطلحات الموهبة والتفوق:

ومن وجهة نظر ( جروان، 2004م) فإن أسباب الخلط تتمثل بثلاث نقاط هي:

1- اختلاف الناس في البلد الواحد حول ما تعنيه بعض المفاهيم، كالكرم ، والشجاعة، كما ويختلفون في تقديرهم للإنجازات في ميادين النشـاط الإنساني المختـلفة، من حيث الأهـمية أو القيمة، وبطبيعة الحال ينطبق الوضع على مفهوم الموهبة والتفوق، حيث يصعب الاتفاق على تعريف لها.

2- ومن الناحية التربوية أو الاصـطلاحية، فإن الأمر يبدو أكثر تشعباً وتـعقيداً ، حيث لا يـوجد تعريف متفق عليه لدى التربويين والمهتمين وغيرهم من ذوي العلاقة.

3- حالة الخلط وعدم الوضوح في استخدام ألفاظ مختلفة للدلالة على القدرة أو الأداء غير العادي في مجال من المجالات.

ويرى المؤلفان( قبالي، عبد الهادي،2019م) أن أسباب الخلط تكمن في الأسباب التالية:

أولا : أسباب عالمية ومنها :

1- المعاجم الأجنبية، وبخاصة الأمريكية منها والبريطانية. حيث ورد معنى موهوب ومتفوق كمترادفتين تحمل المعنى نفسه، كالآتي:

معنى موهوب ومتفوق كما وردت في القواميس الأجنبية:

وردت (gifted) موهوب كمترادفة لمفردة (talented) في القواميس الأجنبية وتؤدي للمعنى ذاته، وسنقوم باستعراض بعض هذه المعاني في القواميس المشهورة مثل:

1- قاموس Merriam Webster المعتمد في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ورد التعريف كالآتي:Gifted/ talented( having a great natural ability

أي من لديه قدرة طبيعية عظيمة. ( ميريام وبستر ، الطبعة الحادية عشرة)

2- أما القاموس البريطاني المعتمد اكسفورد، فقد أورد مفردة (Gifted) كمرادفة أيضا لمفردة (talented) وأورد التعريف كالآتي:

Gifted/ talented هو الفرد الذي لديه قدرة أو أكثر بطريقة جيدة جدا

فنقول: عازف فنان معلمالخ موهوب مثال: كانت شاعرة موهوبة جدا

She was an extremely gifted poet فنقول : ابنه الموهوب موسيقيا His musically gifted son *والطفل الموهوب : هو الطفل حاد الذكاء Gifted child

*هنا يظهر الخلط بشكل جلي، حيث يعتبر القاموس الموهبة والتفوق مترادفتين، وبما أن الأمر هكذا ، فيجب الاكتفاء بمفردة واحدة لتدل على كليهما إن كان هذا هو الصواب.

وقام على إثر ذلك تبني بعض المؤلفين العرب لكلا المفهومين Gifted/ talentedعلى أنهما مختلفين ، حيث قاموا بتبني مفهوم Gifted للموهبة، ومفهوم talented للمتفوق، وبرز الخلط بين الخصائص لكل من المفهومين على أن كل مفهوم يمثل شريحة معينة، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقاموا بعرض خصائص الموهوبين على أنها للمتفوقين، والعكس.

2- وجود نماذج للموهبة والتفوق غير مقنعة، بنيت عليها أكثر الدراسات والأبحاث، مثل:

نموذج رينزولي : للموهبة

نزار المساد نموذج رينزولي للموهبة

حيث أطلق عليه : نموذج الموهبة، وفي الوقت نفسه نجده يحتوي على مفهوم الإبداع، ويقول (رنزولي): إن تقاطع الحلقات الثلاث ينتج عنه سلوك الموهبة، كما اشار الى نوعين من الموهبة : موهبة البيت المدرسية، والموهبة الانتاجية الابداعية.

وبقي العمل بهذا النموذج كأساس للباحثين والمهتمين حتى لحظة تأليف هذا الكتاب.

وبرى الباحثان بأن النموذج يحتاج إلى تعديل ، حتى يصبح مقنعا، ويفي بالغرض الذي وجد من أجله، ويجب أن يكون – من وجهة نظر المؤلفينكما يلي: استبدال مفهوم الإبداع ، بمفهوم التفكير الإبداعي، فالتفكير الإبداعي يمكن أن ينتج عنه إبداع مستقبلا( متنبأ للإبداع) ويمكن ألا ينتج فالاحتمالية قائمة، أما إذا أقحمنا الإبداع بهذا النموذج ، فسيصبح الأمر معقدا وفيه خلط بين الموهبة والإبداع، كما أن (قدرة فوق المتوسط) بحاجة إلى توضيح ، فالمتوسط يقع بين 85 – 115، على المنحنى الطبيعي لتوزيع الذكاء سواء مقياس (وكسلر) أو( ستانفورد –بينيه) لقياس الذكاء، فكان من الأجدر تحديد درجة معينة على المنحنى الطبيعي لتوزيع الذكاء، والأغلب هي 115فما فوق، وعليه سيكون التعديل كالتالي:

قدرة فوق المتوسط115 فما فوق

الالتزام بالمهمة

التفكير الإبداعي ( وليس الإبداع)

البيئة (مهيأة ومتقبلة) ونعني هنا أن تكون الظروف البيئية بحاجة إلى ذلك الاختراع فعلا( الحاجة أم الاختراع) وفي الوقت نفسه تتقبل تلك البيئة هذا الاختراع( الابداع) بتقدير واحترام، لأن وجوده يييسر حياة الأفراد.

وعلى ما تقدم : فإن هذا النموذج ينطبق على عملية الإبداع ، وليس على الموهبة، ويجب تعديل اسم النموذج ليصبح نموذج ( التفوق العقلي) وليس الموهبة.

2نموذج جانييه :

عند الحديث عن نموذج جانيه سنتناول ما تم كتابته حول هذا النموذج من خلال ما أوردته (عزازي،2010م): مفهوم جانييه (Gagne’) للتفوق والموهبة:

لقد تعرض مفهوم الموهبة (Giftedness) والتفوق (Talent) إلى الكثير من التعريفات كما ذكرنا, وظهر الكثير من العلماء ممن لا يفرق بين هذين المصطلحين، وتم استخدامهـما كمترادفين، وخلال العقود الأربعة الماضية تقدم عدد قليل من الباحثين الذين يفرقون وبشكل واضح بين هذين المصطلحين ومنهم، فيالد هوسين (1986م، 1992م )، مورلوك (1996م)، ولكن معظم هذه التفسيرات مازالت تعاني من الغموض وعدم الوضوح.

ولقد ميز جانييه (Gagne’, 2003) بين كل من التفوق والموهبة بشكل واضح في نموذجه المميز والذي طرحه لأول مرة عام (1985م) وأعاد صياغته عام (2000م) وأطــلـق عـليه

 (DMGT) Differentiated Model Of Giftedness And Talent والذي يتكون من ستة عوامل: الموهبة، التفوق، والأربعة الباقية مندرجة تحت مسمى العوامل المؤثرة في الموهبة لتحقيق التفوق (العزازي،2010م)

يتضمن النموذج ثلاثة عناصر رئيسة ينضوي تحت كل منها عدة مكونات (انظر الشكل)، وهي:

الموهبة ومجالات القدرات العامة والخاصة التي تندرج تحتها

المعينات البيئية والشخصية

التفوق وحقوله العامة والخاصة(جروان،2004م)

نزار المساد نموذج جانييه

وتعليقاً على نموذج جانييه:

نجد بأن التفوق وحقوله العامة و الخاصة لا يمكن تصنيفها في بوتقة واحدة، حيث أن التصنيفات بشكل عام يتم حصرها من خلال الخصائص والسمات المشتركة ، ولكل شريحة خصائصها وسماتها التي تميزها عن الشرائح الأخرى، فمثلا : التفوق الأكاديمي لا يمكن إدراجه ضمن التفوق(مجالات البراعة) ، فخصائص المتفوقين أكاديميا تختلف اختلافا كليا عن المتفوقين تقنيا( مجالات الاختراع) فهم متفوقون عقليا، أو المتفوقون رياضيا أو فنيا(فهم موهوبون)، على ما تقدم فلكل شريحة مقاييس خاصة للكشف عنها ، ولها برامجها التي تختلف عن باقي الشرائح، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، إن كان هذا النموذج –كما أشارت الدكتورة سلوى عزازيأنه يميز بين الموهبة والتفوق بشكل واضح، فلماذا بقي كل هذا الخلط قائما؟ وهل المتفوق أكاديميا يملك الخصائص نفسها الذي يملكها المتفوق عقليا؟ أو الموهوب ؟ الإجابة بالتأكيد ،لا، لأن اساليب الكشف، والبرامج، والخصائص والسمات تختلف اختلافا كليا لكل شريحة عن غيرها.

ثانيا: أسباب عربية:

ساهمت الترجمات العربية غير المتخصصة، في كثير من الخلط في مجال الموهبة، فنجد كثيرا من الدراسات والمؤلفات ، قد خلطت بين الموهبة، والتفوق العقلي، والتفوق الأكاديمي، والإبداع، والابتكار، فتارة نجد سمات وخصائص الموهوبين تندرج تحت خصائص المتفوقين عقليافي الدراسات والمؤلفاتوهذا الحال ينطبق على باقي المفاهيم، وذلك إما لاعتماد دراسات أجنبية سابقة، أو لضعف الخبرة بالترجمة ، وبخاصة من غير المتخصصين في مجال الموهبة والتفوق.

وهذا غيض من فيض، فيما ورد من خلط وما سبب ذلك، وما تجاوز عن ذكره المؤلفان أكثر بكثير .

ولا يقتصر هذا الخلط على وطننا العربي وحسب، بل يشمل معظم بقاع العالم ولا زال بعض المتصدرين لمواقع التواصل الاجتماعي يكرّرون هذا الخلط دون وعي بنتاجاته، وفي الوقت نفسه دون تقديم أي جديد يذكر بل يحاجّون المتخصصين في المجال دون أدلة علمية محققة باستثناء النقل الحرفي عن بعضهم البعض، وكثرت المؤلفات في مجال ( الموهبة والتفوق) واتسع الخرق على الراتق، وأصبح المتخصصون في مجال الموهبة والتفوق في حيرة من أمرهم لا يدرون من أين يبـدأون تنتابهم صدمة فكرية من الحال الذي آل إليه المآل وكأنهم يغرّدون خارج السرب.

إن الأمل مازال معقودا على أولئك المخلصين الذين سيقودون هذا المركب وينقذون ما تبقى خدمة للأجيال القادمة.

لقد ساهمت تدخلات غير المختصين في المجال وتصدروا أعلى المراتب في الجامعات والكليات والمؤتمرات إلى سد الطريق أمام أصحاب الكفاءات في هذا المجال بل أدى ذلك إلى تهميشهم وبالتالي إلى عدم الأخذ بأفكارهم ( فلا طاعة لمن لا رأي له) .

وكان كلا من (مندل ) جد علم الجينات، و غاليليو( عالم الفلك) أكبر دليل على الخلط ، وكيف تم تهميشهما والتقليل من انجازاتهما حتى تبين لاحقا صدق هذه الانجازاتولكن ولات حين مناصبعد وفاتهما بسنين وتم الاعتذار لهما ، فقد تم على ضوء ذلك إغلاق تخصصات الموهبة والتفوق في كثير من الجامعات، وألقى ذلك بظلاله على المجتمع المدرسي وتم إغلاق نوادي الموهوبين في المدارس، واختلط الحابل بالنابل.

ولقد اجتهد الباحثان على مدار سنوات بكل جد ونشاط للإحاطة بهذا الخلط وكانت محصلة هذا الجهد هو الكتاب الذي بين أيدينا (الموهبة والتفوق العقلي والتفوق الأكاديمي، النظرية والتطبيق والفصل بين المفاهيم) والذي انبثق عن مهمة تم تكليفنا بها من قبل المجلس العربي للموهوبين والمتفوقين ( 2017م) ، وصدر في عام( 2019م).

أقرا المزيد

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like