المعلّم الذي نريد بقلم الدكتور يحيى القبالي

المعلّم الذي نريد بقلم الدكتور يحيى القبالي

المعلّم الذي نريد

كان المعلم وما زال صاحب رسالة خالدة تستحق الاحترام والتبجيل، كيف لا وهو مربي الأجيال وما تحمله هذه الأجيال من تمايز بين أفرادها، ذلك التمايز الذي استطاع المعلم وفي كثير من الأحيان وبمجهوده الفرديأن يجعل منه بوتقة جميلة وفرض احترامه على أطيافها بما يحمله من تأهيل تربوي وصفات خـلقية وخُلقية، وعكس شخصيته على سلوكياتها، فانطلقوا بناة للمجتمع بل بناة للإنسانية جمعاء، وهذا المعلم الذي نريد.

والمعلّم الذي نريد لا يكون إلا بوجود الطالب الذي نريد، فالمعلّم يمثل الغيث والطالب يمثل التربة، ومن التربة ما تقبل الغيث وتزهر وتغدو جّنات غنّاء تسرّ الناظرين فتكون العطاء بقدر المحبّة

ينتقل المعلم من جامعته منطلقا نحو سوق العمل متسلحا بكل ما يمكنه خوض غمار هذه التجربة الساحرة، يشق طريقه بتلهف وعزيمة، بأحلام طالما تمنى تحقيقها منذ صغره، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ، هل ما تعلّمه المعلّم من علوم ومهارات كافية لأن يجتاز هذا الاختبار بنجاح وكفاءة؟

نقول: إن الجامعة كمؤسسة تربوية رائدة تبذل ما بوسعها لتخريج طلبتها جاهزين للعمل في الميدان، ولكن الدراسات أثبتت بأن الجامعة مهما أوتيت من قوة وتميز فإنهافي أحسن الأحواللن تزود الخرّيج بأكثر من 50% من مهارات تخصصه، ويبقى على الخرّيج أن يطّور من نفسه ، إما بدرجة علميّة أعلى، أو بمتابعة كل جديد من خلال الالتحاق بالدورات التدريبّية في مجال تخصصه

وفي مجال علم النفس التربوي يتصدّر السؤال التالي ويفرض نفسه بإلحاح شديد

هل المعلم مصنوع أم مطبوع؟

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل يجب تفسير هذه العبارة حتى تكون الإجابة ذات معنى: وتفسيرا لذلك: هل المعلم أضطر إلى مهنة الّتعليم بسبب معطيات، مثل: لم يسمح له معدّل الثانوية العامة باختيارات متنوعة بسبب ضعف هذا المعدّل؟ أم أن الظروف الاقتصادية كانت سببا في ذلك الاختيار؟ ام هناك أسباب أخرى خارجة عن يد ذلك الطالب ورغباته ؟ فجاء مضطرا لهذا المجال فأصبح معلما ضمن هذه المعطيات، فهو لم يفكر يوما بأن يكون معلما ولكن الظروف صنعت منه معلما( فأطلق عليه في علم النفس التربوي معلما مصنوعا)، ينتظر مرحلة التقاعد على أحرّ من الجمر، غير ملتزم بدوامه وبما تتطلبه منه مهنته، يلتزم بالحد الأدنى من الواجبات، تقديره لذاته ولمهنته منخفض، وتأثيره بطلابه ضعيف وقد لا يكاد يذكر، فهو مجرّد رقم في المنظومة التربوية

أما المعلّم المطبوع فذلك المعلم الذي يحمل صفات القائد؛ أي بطبعه معلما ، يحبّ مهنته ويقوم بتطوير ذاته مهنّيا ونفسيّا، تقديره لذاته مرتفع، يخلص لمهنته ولطلابه، يسعى للتربّع على القّمة و قناعته تخبره بأن القمّة تتسع لأكثر من شخص، يمضي ساعات دوامه بفرح وسرور، يتعامل مع طلبته بمعيار الأسرة، يعتبر مدرسته بيته الثاني، يعرف كل كبيرة وصغيرة في مجال تخصصه، يخرج من النمط التقليدي للعملية التعليمّية، يتقبل الفروق الفرديّة بين طلابه، يدفعهم نحو العطاء والتضحية والإيثار، يغرس فيهم حب الحياة والإخلاص للوطن

المعلم الذي نريد هو ذاك المعلم التي تكمن قيمته في داخله، ويعرف قيمة الرسالة التي وكّل بتأديتها ويرى نفسه ملكا في صفه، وقدوة خارجه

المعلم الذي نريد هو ذاك المعلم الذي يحّبّ الطالب مادته التي يدرسها من أجله

المعلم الذي نريد هو ذاك المعلّم الذي يجد فيه الطالب الملاذ الآمن يشعر بالأمان عند رؤيته.

المعلم الذي نريد هو ذاك المعلّم الذي يتمنى الطالب أن يكون شبيهه في المستقبل.

والمعلم الذي نريد ذاك المعلم الذي تدمع عيناي المهندس، والطبيب، والصيدلاني،عندما يراه حنينا وشوقا لأيام الدراسة مستذكرا المواقف الصفيّة الرائعة المفعمة بالحب والانجازات.

وفي هذه الأثناء تتزاحم الأسئلة ويطرح السؤال التالي نفسه: هل يكفي أن يكون المعلم مطبوعا حتى ينجز؟

والإجابة : كلّا بالفعل، فمهما بلغ المرء من التفاني والعطاء فلا بد من تعزيز يكون على الأقل مؤشرا عن الرضى المجتمعي عن أدائه و يدفعه للمزيد من الانجاز، أو على أقل تقدير المحافظة على هذا الأداء. وضرب لنا القرآن الكريم مثلا في ذلك، فقد قال الله تعالى في حق نبيّه محمدصلى الله عليه وسلم– : ” وإنك لعلى خلق عظيم“.

هذا المديح الاجتماعي هو نوع من التعزيز الرمزي الذي لا غنى لأحد عنه مهما ارتفع شأنه.

وماذا عن التعزيز المادي؟

لن أطنب في الحديث في هذا المجال، فالتجربة التالية تكفّلت بالإجابة:

في إحدى المواد الجامعّية( مادة التربية المقارنة) كلّفت بإعداد ورقة بحثية تتضمن مقارنة بين التدريس في الأردن والتدريس في اليابان، وبطبيعة الحال فمكانة المعلّم لا بد أن تكون ضمن هذه المقارنات، فكان ملخّص هذه الورقة كالتالي

المعلم في اليابان: يتم فتح المجال للتقدّم لمهنة المعلّم في اليابان لمن حصل على أعلى الدرجات في الثانوية العامة، ومن ثم يخضع لاختبارات ذكاء، واختبارات شخصية، وبعد تخرجه من الجامعة يتم اختيار أفضل المعلّمين لتدريس المرحلة الأساسية( الصفوف: الأول، والثاني والثالث، الأساسي) وتكون لكافة المعلمين في جميع المراحل الدراسيّة الحقوق التالية : يحصل المعلّم على أعلى راتب في الدولة بما يوازي راتب الوزير، ويقدّم في كل المناسبات والاجتماعية إلى المقاعد الأمامية، فقيمته الاجتماعية تأتي بعد الامبراطور مباشرة، ويمنح لقب( سعادة) وجواز سفر دبلوماسي، يمضي المعلم عشر سنوات في مهنة الّتعليم وله الخيار في الانتقال لأي وظيفة حكوميّة أخرى بعد ذلك أو البقاء في مهنة التعليم

أما الواجبات المنوطة به بالإضافة إلى جدوله الدراسي، فعليه تنظيف المدرسة كما عليه حراسة المدرسة ليلا حسب برنامج التنظيف والحراسة المعمول به ، ويجب عليه زيارة طلاّبه في منازلهم والتعّرف على أسرهم، ويعتبر المعلّم في اليابان من أكثر المعلمين انشغالا حيث يقضي وحسب الاحصائيات العالمية (54.4) ساعة عمل أسبوعيا ، علما أن معدل ساعات العمل في البلدان الأخرى للمعلم لا يتحاوز (38) ساعة عمل، وهذا ما أخبرتنا به أحدث الدراسات التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولية (OECD) ، بالإضافة إلى منظمة الدراسة الدوليّة للتّعليم والتّعلّم (TALIS) .

وتم رصد النشاطات التي يقوم بها المعلم الياباني خارج الفصول بمعدل ( 7.5) ساعة أسبوعيا مقارنة بما يقوم به المعلمون حول العالم( 2.7) ساعات عمل أسبوعيا.

يتعاون الجميع من أجل انجاح اليوم الدراسي ، يبدأ اليوم الدراسي في اليابان بوصول مدير المدرسة قبل الطلبة بساعات ليفتح أبواب المدرسة بيديّه، ويستقبل الطلبة ويحيّهم فردا فردا ، ويكون بجانبه عدد من طلبة المراحل المتقدّمة الذين يتناوبون على مشاركة المدير استقبال الطّلبة الأصغر سنّا .

وعند تقديم وجبة الطعام يكون مدير المدرسة قد تناول وجبته من نفس الطعام المقدّم للطلبة، للتأكد من سلامته، ومن جهة أخرى لطمأنة الطلبة حفاظا عليهم.

لا رقابة على المعلم فهو رقيب نفسه، وله حرية إعطاء المادة التي يدرسها بالأسلوب الذي يراه مناسبا لطلبته

وبذلك بنى المعلم الياباني أمّة لا تضاهيها أمّة تقّدما وثقافة وتميزا في كافة المجالات، حتى غدت اليابان قدوة تحتذى

سئل رئيس وزراء اليابان عن أسباب تقدّم دولته في هذا الوقت القصير بعد الحرب العالمية الثانية، فأجاب:” لقد بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم، ومنحنا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير و إجلال إمبراطور

وختاما يقول جبران خليل جبران يتغنى بقيمة المعلم: “أيها المعلم، سنكون خيوطًا في يديك وعلى نوْلك فلتنسجنا ثوباً إن أردت“.

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like