فلسفة العطلة الصيفيّة المدرسيّة

فلسفة العطلة الصيفيّة المدرسيّة بقلم د يحيى أحمد القبالي

فلسفة العطلة الصيفيّة المدرسيّة

بقلم: د. يحيى أحمد القبالي

تُعتبر العطلة الصيفيّة المدرسيّة علامة فارقة في المرحلة الدراسيّة للطلبة، حيث تمتد هذه العطلة في أغلب الدّول لمدة ثلاثة أشهر متواصلة، ولم تنشأ هذه العطلة من فراغ بل من تراكم خبرات تربويّة بالإضافة إلى ظروف اجتماعية وأمور تربويّة جعلت منها محطة رئيسيّة في المرحلة التعليمية، ففيها يبتعد الطلبة عن الروتين المدرسي ، وضغط الواجبات ، والتخفيف من أثر الاضطرابات السلوكية والانفعالية التي يتعرض لها بعض الطلبة أثناء الدوام المدرسي كالتنمر والاجهاد من طول اليوم الدراسي وتحدي المنهاج لقدرات الطلبة وبعض المشكلات الصحيّة التي تؤثر على حياة بعض الطلبة جرّاء الالتزام بالدّوام المدرسي واختلاف درجات الحرارة في كثير من الدّول بين ارتفاع الحرارة وانخفاضها ، وعبء الانتقال من البيت إلى المدرسة وربما بعض المشكلات الاقتصادية التي ترهق دخل الأسرة من متطلبات مدرسيّة قد تنوء الأسر الفقيرة بحملها ، وقد تستغل كثير من الأسر المحرومة اقتصاديًا أيام هذه العطلة ليساهم الأبناء في زيادة دخل الأسرة من خلال التحاقهم بمهن وأعمال مختلفة تناسب قدراتهم، بينما تقوم الأسر الموفورة ماديًا بالسفر والرحلات مما يزيد الثروة المعلوماتية لدى أبنائها ، وتمثل العطلة فرصة لأولياء الأمور لالتقاط أنفاسهم مما يتعلق بالالتزام بالدّوام المدرسي ، هذا من جانب ومن جانب آخر قد تكون العطلة المدرسيّة فرصة ليأخذ المعلمون قسطًا من الراحة والابتعاد عن الروتين اليومي الدراسي وثقل المناوبات وما يتعلق بهم من مسؤوليات.

ولدينا تساؤل: هل الطلبة مازالوا يتعلمون في العطلة الصيفية؟ والإجابة غالبا ما تكون ب ( لا) نظرًا لأن هذه الاجابة ارتبطت بالذاكرة الجمعية للمجتمعات بالتعلم الأكاديمي داخل أسوار المدرسة.

وبنظرة سريعة إلى ما يخبرنا به علم نفس النمو بشأن العطلة المدرسيّة فيقول: إنّ أقل فاصل بين مرحلة عمرية وأخرى يجب ألا تقل عن ثلاثة شهور ، حيث يعود الطلبة إلى مدارسهم بعد العطلة الصيفية بنمو جسمي وعقلي قادر على تحمّل وتقبّل تحدي المنهاج المدرسي الذي أصبح أكثر تحديًا لقدرات الطلبة من السّنة الدراسية التي سبقتها، وبالطبع هذه خاصية من خصائص فلسفة المناهج الدراسيّة.

أما علم النفس التربوي ، فقد اتخذ منحى آخر للإجابة عن مدة العطلة الصيفية حيث يطالعنا بالآتي: إن للعطلة الصيفيّة أثرًا بالغًا في توسيع دائرة الفاقد التعليمي لدى الطلبة ، وقد يفقد الطلبة نصف ما تعلموه، ولو استمرت العطلة لمدة ستة أشهر لوصل الفاقد التعليمي لأكثر من 90%مما تعلّمه الطلبة ولهذا السبب يحدد الأخصائيون النفسيون مدة إعادة تطبيق مقاييس الذكاء بمدة لا تقل عن ستة أشهر إذا لزم الأمر لإعادته مرة أخرى ؛لأن هذه المدة كفيلة بأن ينسى المفحوص فقرات المقياس التي تم تطبيقها عليه سابقًا.

وبجردة حساب سريعة لما تناولته الدراسات في هذا المجال فإنّ أكثر الدراسات تشير إلى أنّ للعطلة الصيفية سلبيات تفوق الايجابيات ، وبخاصة على المواد الدراسية التالية: القراءة، والرياضيات، وعلى إثر ذلك قامت بعض الدّول بتخفيض مدة العطلة الصيفية إلى شهرين، مثل: البرازيل، المملكة المتحدة، والهند، وهولندا، وألمانيا، والدنمارك، وباكستان، وبنغلاديش.

وعودة على السؤال المطروح أعلاه: هل الطلبة مازالوا يتعلمون في العطلة الصيفية ؟

من وجهة نظرنا المتواضعة، نجزم أنهم فعلا ما زالوا يتعلمون، فالعطلة الصيفية تعود بفائدة عظيمة على كثير من المواهب التي تحررت من الدوام المدرسي وانطلقت لتحقيق ذاتها بعيدا عن هذه القيود بشكل فردي أو ضمن جماعات في النوادي الصيفية التي تلبي رغبات كثير منهم وتقوي التواصل في الروابط الاجتماعية وتزيد الثروة اللغوية لدى الأطفال الأصغر سنا ، وقد يتم اكتشاف الكثير من القدرات لدى الطلبة. أما المجتمع الريفي الذي طالما ارتبطت في العطلة الصيفية بموسم الحصاد فيه فقد أصبحت تلك الفاعلية الزراعية الاجتماعية ذاكرة جميلة ليس أكثر ، فلم يعد الطلبة في ظل التقدم التكنولوجي ووجود آلات الحصاد الحديثة يساهمون في هذه المناسبة ، وبقيت العطلة الصيفية كما هي، وهي وإن ارتبطت في المجتمعات الزراعية بموسم الحصاد فقد ارتبطت في المجتمعات الأخرى بمواسم مختلفة حسب طبيعة المجتمع.

ومن وجهة نظرنا المتواضعة كتربويين نرى –وأتحدث بالأصالة عن نفسيأن مدة العطلة الصيفية الممتدة لثلاثة أشهر هي فترة نموذجية لو تم استغلالها بالوجه الأمثل، ففيها يتعلم أبناؤنا مهارات اجتماعية، ومهن، وسلوكيات تنمي شخصيتهم فمن خلال المناسبات الاجتماعية المؤجلة كالعادة إلى فصل الصيف، كحفلات الزواج مثلا تتقوى الأواصر الاجتماعية بين الأفراد والأسر ويزداد التواصل، ومن خلال تواصل أطفال الحي ببعضهم( جماعة الرفاق) تنمو تلك المهارات ، وما يؤكد هذا القول على أرض الواقع هو المثال الآتي: لو قمنا باصطحاب مجموعة من الأطفال في رحلة ما ووفرنا لهم أدوات الطبخ واللعب، وتركناهم دون سيطرة يمارسون نشاطاتهم دون رقيب وعدنا إليهم بعد أكثر من ساعتين لوجدناهم قد قسموا المهام بينهم فمنهم من يتصدر القيادة ومنهم من سيقوم بدور الطاهي والآخر يجمع الحطبالخ ويمكن تصور هذا الأمر لو قاموا بلعب كرة القدم .. او أي نشاط آخر ، مع العلم أن مثل هذه الأمثلة يمكن تصورها في المجتمعات كافة، إذن فهم مازالوا يتعلمون.

وتشير دراسات متعددة : أن التدريب والتعليم المتقطع يفيد أكثر من التدريب والتعليم المتواصل.

فعلى سبيل القياس لا التطبيق، لو أن مسافرا قطع مسافة الف كيلومترا دون توقف في مركبته ، لشعر دون أدنى شك بالإرهاق والضغط النفسي واحتاج إلى قسط طويل من الراحة ، ولكن لو أنه قام بتقسيم المسافة وتخللها جزء من الراحة بعد قطع مئة كيلومترا مثلا ، لتلافى كل هذه السلبيات في رحلته، وهذا موافق لما جاء بالحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم” … إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى“.

وخلاصة القول : فهناك من يوافق وهناك من يعارض وجود عطلة صيفية طويلة تمتد لثلاثة أشهر ، ولكن الجميع متفق على أن يكون هناك عطلة صيفية، ولكلّ فريق مبرراته في هذا الشأن، وسنترك المجال للقارئ لتحديد اتجاهاته نحو هذه العطلة، فمن الصعب أن تتماثل الظروف الداعمة لهذا الرأي أو ذاك، فالمعطيات في هذه المقالة تقف على مسافة واحدة بين الفئتين.

إقرأ المزيد لمقالات التربويون العرب

You May Also Like