آثار التهديد على الدماغ والتعلم

بقلم الدكتور محمود المساد آثار التهديد على الدماغ والتعلم

بقلم الدكتور محمود المساد آثار التهديد على الدماغ والتعلم

في العادة يواجه الطالب التهديد بالتوتر الذي يدفع بغدده إلى إفراز الكورتيسول، وهذا يقود إلى ردود فعل جسمية كبيرة وعديدة من أهمها: هبوط في جهاز المناعة، وشد في العضلات، وتخثر في الدم، وزيادة في الضغط. إن الارتفاع المزمن في مستويات الكورتيسول لدى الطالب/ الطالبة يؤدي إلى موت خلايا دماغية في قرن آمون (الهيبومكامبوس في الدماغ) والتي تعتبر في غاية الأهمية لتكوين ذاكرة واضحة

إن عوامل التهديد في البيئة كثيرة جداً، ومنها على سبيل المثال: تهديد الاختبارات وما تصنعه من توتر، وما تسببه من اعتلال في الصحة، وتغيب عن المدرسة، وانخفاض في التحصيل. وبالمقارنة بين الخلايا العصبية المتوترة وغير المتوترة نجدها في الأولى تحتوي على عدد أقل وأقصر من الشجيرات العصبية. وهذا يشرح بوضوح أن هناك علاقة ارتباطيه موجبه بين البيئة المادية المثيرة للتوتر وإخفاق الطالب. وحقيقة فإننا نجد في وصف بعض المعالم الرئيسة لبيئاتنا التعليمية ما يدعو إلى التهديد بقوة: فالاكتظاظ في أعداد الطلبة في الصفوف، وضعف العلاقات بين الطلبة، والإضاءة السيئة……..وغيرها الكثير من الأوصاف المادية، لها الأثر الواضح في رفع درجة التوتر ورفع مستوى الكورتيسول في الدم. كما يزيد في توتر طلبتنا مؤخراً الطريقة التي يتعايشون بها مع التقنيات الحديثة، كالإجهاد المتأتي عن تركيز الطفل على شاشة الكمبيوتر أو التلفزيون لفترة طويلة، فهو يؤثر كثيرًا على مُقلة العينين الطريتين للطلبة الصغار، ويعمل على تشويهها بالتركيز القريب المستمر. فضلاً عن المواقف الاجتماعية الباعثة على التوتر، والتوقعات التي لا تنسجم مع الواقع، وخيبات الأمل في اليوم المدرسي، والمشاريع والمواقف غير الناجحة، والعلاقات المتدنية عن المعتاد

إن هذا الكم الكبير من مُثيرات التوتر يُرتّب على المعلم من جهة، وعلى التربويين من جهة أخرى أن يوفروا للطلبة قابلية التنبؤ أو التوقع لما يحدث، وأن يعملوا على توفير ما من شأنه أن يُسعد الطلبة ويريحهم ويب ويخفض من توترهم بالحركة والفنون وتمرينات القيادة والتشجيع، باعتبار كل ذلك يعمل على إراحة الدماغ القلق ويعيد له حيويته ونقاءه

ولا يخفى على أحد أن المعلم كطرف فاعل في البيئة الصفية يكون في بعض الأحيان عامل تهديد قوي يبعث على التوتر، فتعليقاته القاسية وألفاظه المنطوية على السخرية تسبب عدم انتظام دقات القلب وخاصة للطلبة الذين لديهم حساسية زائدة نحو ذلك. وبالنظر إلى المعلم من زاوية أخرى نجده المدخل للعلاج، فهو الذي يخفف من أسباب التوتر ويزيلها بفهمه ومعرفته لكل هذه الحيثيات، وبتقوية عزائم الطلبة وثقتهم بأنفسهم والعمل بالمنهج التربوي الذي يقوم على شد الانتباه كمدخل للتعلم الناجح

مستوى النجاح والفعاليه الدكتور محمود المساد

لقد كشفت نتائج البحوث والدراسات المتصلة بالدماغ من جهة، والتفكير والتعلم من جهة أخرى أن الطلبة الذين يتعرضون بشكل مستمر إلى تهديد وتوتر عاليين في مراحل مبكرة من حياتهم، وبالذات الذين يعيشون في أسر تتصف بالعنف. غالباً ما يكونون أعصى على جلب الانتباه من ذوي التحصيل المتدني، لأنهم دائماً يبحثون عن أعداء أو ضحايا محتملين وتكون أدمغتهم في حالة استنفار وتهيئة لمكنزمات دفاعية. ويفسر سلوكهم هذا بأنهم يبحثون عن حماية لأنفسهم من المشكلات المحتملة، بحيث تكون مواقع الاستقبال قد تكيفت في أدمغتهم مع سلوك يُرّكز على البقاء أو النجاة

وبالطرف الآخر كشفت نتائج هذه البحوث والدراسات عن أن الطلبة الذين لديهم توتر أقل يستطيعون أن يقيموا علاقات بين الأشياء، وأن يفهموا النظريات الأساسية العامة، وأن يكاملوا بين مجموعة واسعة من المواد. وعليه فقد اعتبرت هذه الدراسات أن التعلم الأفضل في السرعة والجودة يتناسب مع التوتر المعتدل الذي يقع تحت تعبيرات اهتمام وانتباه وقلق

ومن الشكل أعلاه الذي يوضح مستوى النجاح والفاعلية بين التوتر عالي التهديد وبين البرود وضعف الاهتمام واللاأبالية، نجد أن هذا المستوى يرتفع ويصل إلى ذروته في حالة القلق الذي يتراوح بين القلق القليل والقلق المرتفع. وهذا يعني أن المتعلم ينجح أكثر في تعلمه عندما يتهيأ أكثر للموقف ومحتوى التعلم، ويشعر بالمسؤولية وضرورة الاستعداد

وحقيقة فإن التهديد يقود إلى أكثر من ذلك، إنه يتفاقم مع الطالب/ الطالبة إلى أن يُسبب له العجز المكتسب. إنه يوصله إلى اتخاذ القرار الصعب عن نفسه بأنه غبي وغير محظوظ ولا يستوعب، ومع احتمالات أن تكون الصدمة القوية التي أدت به إلى هذه الحالة خارجية المصدر عن بيئة التعلم، إلا أنها قد تكون من معلم غير حساس، ليس له من مهنته إلا الاسم، يُحرج الطالب/ الطالبة ويُذله أمام زملائه في الصف. كما قد تكون من طالب/ طالبة مُستأسد هيأت له ظروف المدرسة المتسيبة أن يُخيف الطلبة ويهددهم باستمرار. وإن الاختبار الصعب عندما يعجز الطالب/الطالبة عن الرد ويشعر بعدم القدرة على الحراك بسبب الإحراج، عندها يقرر الطالب/ الطالبة عن نفسه أنه أصبح حالة ميؤوس منها ويفقد الدافعية. وهنا لابد لي من القول أن الطالب/ الطالبة هنا أصبح مريضاً وتعلم الفشل ولم يعد قادراً على المحاولة للنجاح. ويزيد الأمر سوءاً عندما يتصرف المعلم بغير معرفة بالتخليً عن هؤلاء الطلبة بعد عدة محاولات معهم. إن هؤلاء الطلبة الذين دخلوا بالحالة المزمنة من العجز يحتاجون إلى عشرات المحاولات للتدرب على اتخاذ خيارات قبل أن ينشطوا مرة ثانية، إنهم بحاجة إلى أن تعيد أدمغتهم تنظيم أنفسها من جديد لتغيير السلوك

أقرا المزيد

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like