الثّانوية العامّة التوجيهي في ميزان علم النفس التربوي

الثّانوية العامّة ( التوجيهي) في ميزان علم النفس التربوي

الثّانوية العامّة ( التوجيهي) في ميزان علم النفس التربوي

بقلم الدكتور يحيى القبالي

لا يختلف اثنان على أنّ اختبار الثانويّة العامّة هو من أهم محطات حياة الفرد ، بل تتعدى هذه الأهمية إلى الأسرة والمدرسة، وعليه قد يتحدد مصير الطّالب ومسيرة حياته، ولا يخفى على أحد مدى الضغط النّفسي الذي يعيشه الطّالب وأسرته قبل وأثناء وبعد تقديم هذا الاختبار

وتقع مسؤولية إعداد هذا الاختبار على وزارة التربية والتعليم وهي الجهة الوحيدة المخولة بإعداده والمنوط بها تنفيذه واستخلاص نتائجه وتوفير كل المتطلبات اللوجستية لضمان نجاحه

وحتى نكون موضوعيين وعلى مسافة واحدة بين الطّلبة والوزارة، فلابدّ من توضيح بعض الأمور ومنها

العوامل المؤثرة في دافعية الانجاز

إنّ النزعة أو الميل للحصول على الّنجاح أمر متعلّم وهو يختلف بين الأفراد، كما أنّه يختلف عند الفرد الواحد في المواقف المختلفة، وهذا الدافع يتأثّر بعوامل رئيسة ثلاث عند قيام الفرد بمهمة ما ، وهذه العوامل هي

أولا: الدّافع للوصول إلى النجاح

إنّ الأفراد يختلفون في درجة هذا الدافع، كما أنّهم يختلفون في درجة دافعيتهم لتجنب الفشل، فمن الممكن أن يواجه شخصان المهمة نفسها ، يقبل أحدهما على أدائها بحماس تمهيدًا للنجاح فيها، ويقبل الآخر بطريقة يحاول من خلالها تجنب الفشل المتوقع

إنّ الّنزعة لتجنب الفشل عند الشّخص الثّاني أقوى من النزعة لتحصيل النجاح، وهذه النزعة القوية لتجنب الفشل تبدو متعلّمة نتيجة مرور الفرد بخبرات فشل متكررة وتحديده لأهداف لا يمكن أن يحققها، أمّا عندما تكون احتمالات النّجاح أو الفشل ممكنة فإنّ الدّافع بهذا النوع من المهمات يعتمد على الخبرات السابقة عند الفرد، ولا يرتبط بشروط النجاح الصّعبة المرتبطة بتلك المهمة

ثانيا: احتمالات النجاح

إنّ المهمات السّهلة لا تعطي الفرد الفرصة للمرور في خبرة نجاح مهما كانت درجة الدافع لتحصيل النجاح الموجودة عنده، أمّا المهمات الصّعبة جدًا فإنّ الأفراد لا يرون أنّ عندهم القدرة على أدائها، أمّا في حالة المهمات المتوسطة فإنّ الفروق الواضحة في درجة دافع تحصيل النّجاح تؤثّر على المهمة بشكل واضح ومتفاوت بتفاوت الدافع

ثالثا: القيمة الباعثة للنجاح

يعتبر النّجاحفي حد ذاته – حافزًا وفي الوقت نفسه فإنّ النّجاح في المهمات الأكثر صعوبة يشكّل حافزًا ذا تأثير أقوى من النجاح في المهمات الأقل صعوبة، ففي الإجابة عن فقرات اختبار ما؛ فإن الفرد الذي يجيب عن (45) فقرة من الاختبار يحقق نجاحا يعمل كحافز أقوى من حافز النجاح لفرد يجيب عن (35) فقرة فقط

أما من ناحية التطبيق في غرفة الصّف فإنّ العوامل الثلاثة يمكن أن تقوي أو تضعف من خلال الممارسات التعليميّة، فالمهم أن يعمل المعلّم على تقوية احتمالات النجاح وإضعاف احتمالات الفشل، وأن يعمل على تقوية دافع التحصيل عند طلابه من خلال مرورهم بخبرات النجاح، وتقديم مهمات فيها درجة معقولة من التحدي وتكون قابلة للحل

إنّ دافعية التحصيل حالة متميزة من الدافعية العامة، وتشير إلى حالة داخلية عند المتعلّم وتدفعه إلى الانتباه للموقف التعليمي والإقبال عليه بنشاط موجّه والاستمرار فيه حتى يتحقق التعلّم، وعلى الرغم من ذلك فإنّ مهمة الدافعيّة نحو التعلّم وزيادة تحقيق الانجاز لا تلقى على عاتق المدرسة فقط وإنّما هي مهمة يشترك فيها كلّ من المدرسة والبيت معًا وبعض المؤسسات الأخرى، فدافعية الانجاز والتحصيل على علاقة وثيقة بممارسات التنشئة الاجتماعية ، حيث أشارت نتائج الدراسات إلى أنّ الأطفال الذين يتميزون بدافعية مرتفعة للتحصيل كانت أمهاتهم يؤكّدن على أهمية استقلالية الطّفل في البيت، أمّا من تميزوا بدافعية منخفضة للتحصيل فقد وُجد أنّ أمهاتهم لم يقمن بتشجيع الاستقلالية عندهم

إنّ الأفراد الذين لديهم دافع مرتفع للتحصيل يعملون بجديّة أكبر من غيرهم ويحققون نجاحات أكثر في حياتهم، وعند مقارنة هؤلاء الأفراد بمن هم في مستواهم من القدرة العقلية ولكنهم يتمتعون بدافعية منخفضة للتحصيل وجد أن المجموعة الأولى تسجل علامات أفضل في اختبار السرعة في انجاز المهمات الحسابية واللفظية وفي حل المشكلات ويحصلون على درجات مدرسية وجامعية أفضل، كما أنّهم يحققون تقدما أكثر وضوحًا في المجتمع، وواقعيون في انتهاز الفرص

وقد توصل علم النفس المعاصر( برونر، جانيه، بوشكين…) إلى استنتاج مفاده: أنّه يجب عدم استبعاد جميع الصعوبات التي تعترض المتعلم لأنه من خلال التصدي لها والتغلب عليها فقط يستطيع تنمية وترقية عملياته المعرفية، وأما المساعدات التي يجب أن يقدّمها المعلّم في مواقف التّعلّم فإنّها لا ترمي إلى إزالة العقبات وتجنب الصعوبات وإنّما تستهدف تهيئة المتعلم وإعداده وتزويده بما هو ضروري وكاف لمعالجتها، وهنا تتجلى الحكمة التي أشار إليها( كرامشي، Cramshy ) بقوله: “يجب مقاومة النزعة نحو تبسيط مالا ينبغي تبسيطه ؛ لأنه لا يعود كما كان أصلا

ويمكننا على ما تقدم

تقسيم طلبة الثانوية العامة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أصحاب الدافعية المنخفضة نحو التعليم، وقدراتهم ضعيفة، فهم يبذلون الحد الأدنى من الجهد لتجنب الفشل، والخروج بأقل الخسائر من الاختبار.

القسم الثاني: أصحاب الدافعية المرتفعة ولكن قدراتهم متوسطة ويطلق عليهم : القراؤون كثيرا، يبذلون جهدا مضاعفا، وفي المقابل تكون الجهود الكبيرة التي بذلت لا تعادل النتيجة أو الجهد المبذول أو الكلفة المصروفة.

القسم الثالث: وهم المتفوقون أكاديميا، ومن صفاتهم الكمالية، لا يرضون بأقل من الدرجة الكاملة في الاختبار.

وهنا تجدر الإشارة بأنّ الغالبية العظمى من الطلبة التي تشكّل القسم الثاني والثالث لن يصلوا إلى درجة الرضا عن نتائج الاختبار مهما كانت النتيجة، وهذا وضع صحي طبيعي، فنجد التذمر سيد الموقف عند تقديم اختبارات الثانوية العامة وعند ظهور النتيجة.

بنية الاختبار:

تعتبر بنية الاختبار العامل الحاسم الذي تتشكل على ضوئها نتيجة الطلبة، ومن البديهي أن يراعي الاختبار مستويات الطلبة( ضعيف، متوسط، مرتفع) ونعني بالمرتفع الطلبة المتفوقين أكاديميا، ومن خصائص هذه الفئة القدرة على الاستدلال العلمي( الاستنتاج، الاستقراء)، ومن أبجديات علم القياس والتقويم أن تكون هناك نسبة محددة( 5% – 10% ) أسئلة ( استنتاج أو استقراء) يمكن للمتفوقين أكاديميا حلها، أما المتوسطون والضعاف فتشكل هذه الأسئلة عقبة كأداء بالنسبة لهم، فيتجاهل الطلبة الضعاف حلها أصلاً ولا يكلفون أنفسهم عناء التفكير بحلها لعلمهم الأكيد بأنّهم غير قادرين على حلها، أما الطلبة المتوسطون فيجدون فيها لغزًا عصيًا على الحل فهم لم يألفوها في محتويات الكتاب ولكنهم يحاولون حلها مستحضرين كامل قدراتهم على التذكر، فتراهم يرددون بإصرار بأن الاختبار أحتوى على أسئلة من خارج الكتاب.

وغالبا ما تكون مثل هذه الأسئلة في المواد العلمية( الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء) ، ومن الأمثلة على ذلك ، كمثال تقريبي: يحتوي كتاب الرياضيات على جداول الضرب( 5×9) ، (8×4)…الخ فلو ورد سؤال بصيغة مختلفة _ مثلا – ( 45×12) فإن الطّالب الضعيف لن يحاول هذا السؤال، أما الطالب المتوسط فيقسم بأن السؤال من خارج المنهاج، أمّا الطّالب المتفوق أكاديميا فسيستنتج بأن خصائص عملية الضرب لا تتغير في كافة الظروف، فيقوم بحل هذا السؤال بناء على استنتاجه.

لذلك فقضية الثانوية العامة ستبقى قضية جدليّة ، ولا بديل يتوفر في الوقت الحاضر عن هذا الاختبار.

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like