الدكتور ذوقان عبيدات يكتب التعلم : ومهارات القرن الواحد والعشرين

الدكتور ذوقان عبيدات يكتب التعلم ومهارات القرن الواحد والعشرين

 الدكتور ذوقان عبيدات يكتب التعلم : ومهارات القرن الواحد والعشرين

ما الجديد في هذه المهارات؟

إذا استعرضنا المهارات الحياتية للإنسان منذ بدء الحضارة، لوجدنا أن حاجة الإنسان للتواصل والحوار وفهم البيئة والتسامح والمرونة، هي متطلبات حياتية ، وذلك لارتباطها بالقيم الإنسانيّة، وبمتطلبات النجاح والتكيّف. ففي كل عصر تظهر مهارات، بل وتتكرر المهارات نفسها

فهل استغنى الإنسان عن الإبداع؟ عن التفكير؟ عن التكيّف؟ وحتى عن استخدام التكنولوجيا التي رافقته في كل عصر ؟ وهل لعصر ما أو لمجتمع ما مهارات تختلف عما سبق أو عما يلي ؟
إذن! المهارات هي متطلبات حياتية لتحسين جودة الحياة . فلماذا نتحدث عن مهارات القرن العشرين أو الحادي وعشرين أو حتى المستقبل؟ ألم يكن الحوار والتواصل والمنطق وحل المشكلات مهارات بناها أو نظمها سقراط وأفلاطون وأرسطو؟
فلماذا نتحدث عن المهارات المعاصرة ؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من مراعاة متغيرات متعددة تتمثل في

التغير وسرعة التغير
محتوى المهارة
وسأناقش ذلك تربويا

  اولا – التغير وسرعة التغير

ترتبط مهارات العصر بما فيه من قيم وأدوات وإيقاع وسرعة، ففي كل العصور قيم وأدوات فتكنولوجيا التعليم مثلا كانت بدائية ولفظية، وأدوات التكنولوجيا كانت كتابا و قلما ودفترا وطبشورة وسبورة . ثم تطورت تكنولوجيا التعليم في تحسين الأدوات لا تغييرها، فسعى المربون إلى كتاب أفضل وتكنولوجيا أفضل

.صار التعليم يبحث عن أدوات جديدة وتكنولوجيا جديدة، فاخترع المربون أو استخدموا: الراديو التعليمي، والبروجيكتر والتلفزيون التعليمي، والطبشور الملون، وقلم “البيك” وكان بذلك مجاراة للعصر
وفي عهد الثورة الصناعية زادت المعرفة، وتعقدت تكنولوجيا المعلومات، وصارت المعرفة منظمة في عشرات بل مئات المواد الدراسيّة، مما تطلب تطور المدرسة، وخططها، ومناهجها. ولما كانت جودة المصنع ومنتجاته هي الهدف، صار التقييم جزءا مهما من تكنولوجيا التعليم

فصارت تكنولوجيا المصنع هي تكنولوجيا التعليم ، وصارت خطوط إنتاج المدرسة مشابهة تماما لخطوط إنتاج المصنع
وفي الثورة المعرفية تفجرت المعرفة وطورت أدوات نشرها، وتوثيقها وإنتاجها. مما أحدث تحولا أساسيا في تكنولوجيا التعليم، ومناهجه وأساليبه وحتى طرق تقويمه
هذه المقدمة توضح ان المهارات الحياتية هي نفسها تتمثل في الحوار والتواصل والتفكير والإبداع ، فالمهارات هي نفسها، لكن هناك تغير هائل في نقطتين أساسيتين هما

سرعة أداء المهارة ودقتها

فالمهارة بحد ذاتها صارت درجات، ولعل بعضنا يذكر أن سرعة تغيير عجلات سيارة السباق قد تتناقص، وبعد أن كانت دقيقتين- وهي سرعة هائلة- تقلصت إلى دقيقة ثم ٤٥ ثانية، ثم سبع عشرة ثانية، ثم أقل من خمس ثوان
إذن نتحدث عن تغير مهم جدا هو السرعة في أداء المهارة، أما الجديد الثاني فهو الدقة، فلم تعد المهارة عملا يؤدى ! بل عمل يؤدى بإتقان عال جدا. وربما بدون خطأ. فلو سمحنا لمهارة الطيار أن تكون بنسبة ٩٩%، لسقطت مئات الطائرات يوميا. ولو سمحنا بالأخطاء الطبية، لمات يوميا مئات الألوف!! فالمهارات إذن صارت بسرعة فائقة وبدقة فائقة!
وسنذكر بعد قليل انعكاسات ذلك على العمل التربوي

  ثانيا – محتوى المهارة ونوعها

يرتبط التغير بمحتوى المهارة ونوعها بالتغير العام في المجتمع، كما تتغير قيمتها وفقا للتحولات المجتمعية
فمهارة القراءة كانت مجرد فك ألغاز الحروف والكلمات، وكان لمن يملك هذه المهارة مع مهارة الكتابة موقعا سياديا في المجتمع، ثم نشأت قراءة المعنى وإعطاء الدلالات للألفاظ ودعمها بلغة الجسد، إلى الحد الذي قيل بأن المعنى ولغة الجسد يشكلان أكثر من ٩٠% من مهارة القراءة !!
وهكذا يمكن أن يقال في مهارات التواصل والحوار والبحث وإنتاج المعرفة والتفكير وغيرها

بناء على ما سبق، فإننا يمكن أن نقول في عصر الثورة المعرفية بقيت المهارات الأساسية هي نفسها، لكن التغيرات التي أثرت على سرعتها ودقتها و كميتها جعل منها مهارات جديدة تماما. فالتواصل الإنساني اختلف، والحوار اختلف والمهارات اختلفت باختلاف تغيرات أساسية في الحياة

المهارات والحياة

كانت الأسرة هي معلمة كل المهارات ، ففيها يتم تعلم كل مهارات الكبار، وفي وقت قياسي ، ثم أخذت المدرسة هذا الدور نتيجة لتطور دور الأسرة
ففي البيت تعلم الطفل مهارات الكلام والحوار والتواصل وإنتاج العمل، وفي المدرسة حاولت تعليم الأطفال هذه المهارات، وربما لم تنجح كما فعلت الأسرة . ونتيجة لتقلص دور المكان صار الأطفال يتعلمون نفس المهارات من أي مكان، خاصة أن العصر الرقمي قد تجاوز المكان. تعلم الأطفال المهارات المطلوبة من مكان

انعكاس المهارات على التعليم

مهارات الحياة، ومكان تعلمها، وطريقة تعلمها بقيت كما هي، الكبار يعلمون الصغار، وهذا هو التعليم، والأطفال يتعلمون وهذا هو التعلم، والكبار استخدموا التلقين والنمذجة، وهي تتطلب مهارات ما زلنا بحاجة إليها
واليونيسكو منذ نهاية القرن العشرين حددت في كتابها : تعلم لتكون غايات التعلم بما يأتي
تعلم لتعيش مع الآخرين
تعلم لتعمل
تعلم لتكون
تعلم لتعرف

أولا: تعلم لتعرف

المعرفة حق لكل إنسان، وهي سلطة وقوة لمن يعرف، ولمن يمتلك أدوات المعرفة. فالمعرفة تتغير وتتجدد ، إذن المهم أن يتعلم الطفل أدوات المعرفة، وأدوات إنتاج المعرفة. وهذا ما يجب أن يركز عليه التعلم ومنهاج التعلم واستراتيجيات التعلم

وإتقان أدوات المعرفة يتطلب إتقان المهارات الآتية

  اولا – الإبداع ويشمل مهارات الابتكار والتجديد وإنتاج الأفكار
ثانيا – التفكير الناقد، ويشمل مهارات التفكير العليا أو ما بعد التفكير أو التفكير بالتفكير
ثالثا – حل المشكلات، وتشمل المشاركة وحب الاستطلاع والتحليل واليقظة

ثانيا : تعلم لتعمل

والعمل هو توظيف المهارات المعرفية، وهو أيضا حق لكل إنسان ولذلك يسعى كل نظام تعليمي بكل أبعاده إلى إكساب مهارات العمل لكل متعلم

وإتقان هذه المهارات يتطلب إتقان

  اولا –  مهارات التعاون وتشمل العمل الجماعي والأهداف المشتركة واحترام الآخرين
ثانيا – مهارات التفاوض وتشمل التأثير والوعي والتعاون والعلاقة مع الآخر
ثالثا – مهارات صنع القرار وتشمل تخطيط العمل وتحديد الهدف والمخاطرة وتحمل المسؤولية، وإدراك المترتبات

ثالثا: تعلم لتكون

وهذا هو البعد الحياتي، ولكي نعيش نحتاج إلى مهارات معرفية وشخصية تأملية، ومهارات بينشخصية فالحياة هي الهدف النهائي للتعلم، والنظام التعليمي يسعى لتوفير متطلبات الحياة بإكساب المتعلم المهارات الآتية
اولا – إدارة الذات ، وتشمل الكفاءة وتحديد الهدف والرؤية والاستقلال
ثانيا – الصمود، وتشمل الثبات، وتحمل الضغوط، وإدارة الأزمات، والتكيف
ثالثا – التواصل، وتشمل العلاقات وإثبات الذات، والحوار والعواطف

رابعا: تعلم لتعيش مع الآخرين

وهذا هو البعد الاجتماعي للتربية، والعيش مع الآخرين يتطلب فهم الآخرين وتبادل المنفعة معهم، ومراعاة الجوانب الأخلاقية في السلوك
وهذا الهدف أو المهارة تتطلب إتقان مهارات

  اولا – احترام التنوع، ويشمل التفاعل والتسامح واحترام الذات وضبط النفس
ثانيا – فهم الآخرين، وتشمل العمل معهم، والإيثار، وحل الصراعات
ثالثا – الحوار، ويشمل الإصغاء النشط، والتفكير الناقد، والتفكير التحليلي، والتأثير الشخصي
هذه هي خلاصة مهارات التعلم، وقد نضيف إليها مهارات ناتجة عن البحوث الحديثة في الدماغ وهي إلى حد كبير متشابهة لكل ما مر من مهارات ، وربما اعتبرت تطبيقات عملية للمهارات الأساسية. فالبحوث الحديثة للدماغ أوضحت أهمية

 التغذية الراجعة وهي جزء من مهارات الاتصال السابقة وربما كانت جزءا من مهارات اليونيسكو الأربعة
العاطفة وهي جزء من كل المهارات : العمل والتواصل، الحياة المعرفية
اجتماعية سلوك الدماغ، وهذه أيضا جزء من مهارات اليونيسكو جميعها
الحركة كبانية للدماغ، ولا شك في أن التعلم والعيش مع الآخرين والعمل تتطلب إتقان مهارات حركية

أقرا المزيد

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like