التربية القيمية وأثرها في تعزيز قيم المواطنة والولاء والانتماء

التربية القيمية وأثرها في تعزيز قيم المواطنة والولاء والانتماء

التربية القيمية وأثرها في تعزيز قيم المواطنة والولاء والانتماء

بقلم

الدكتورة وفاء فياض الدجاني

دكتوراه مناهج وتدريس

مقدمة

يحفل مجتمعنا بالمتغيرات والسلوكيات المتباينة التي تشير إلى الغزو الفكري والثقافي الواسع الذي يؤثر في حياة وسلوكيات الفرد وتنعكس آثاره على المجتمع بشكل مباشر وغير مباشر الأمر الذي يجعل من القضية القيمية قضية عظيمة تواجهها التربية المعاصرة في جميع المجالات نظرًا لأهميتها في تشكيل السلوك البشري وتأثيرها على أنماط حياته اليومية. ولأن التربية تُعد أساس كل تقدم وصلاح، وأكبر الموجهات للسلوك الإنساني وواحدة من أهم المحددات التي يرتكز عليها نسق القيم في نشأته وتطوره، ويتفق عامة الناس وأهل العلم خاصة على مدى فاعليتها ودورها في بناء الإنسان؛ كان لابد من التركيز على المنظومة القيمية في العملية التربوية وتوضيحها للباحثين والقارئين والمشتغلين في المجال التربوي من آباء ومعلمين وخبراء لاسيما أن انتشار الفكر الغربي في المجتمعات العربية قد يولد طبقة متشربة للقيم الفردية والمادية وينعكس على تهميش ثقافتنا ولغتنا العربية، وعلى القيم الأخلاقية والدينية ويؤثر على قيم المواطنة والولاء والانتماء لدى الأفراد. وتبرز أهمية التربية القيمية من خلال عدة أسباب، أهمها:

الجهل بطبيعة القيم وسماتها وتعدد الآراء حولها.

ارتباطها بمعتقدات ثقافية متعددة ومتضادة في كثير من الأحيان.

الأزمة المعاصرة فيما نسمعه ونراه من تغيرات في المجتمع .

إهمال الجانب التطبيقي للقيم في العملية التربوية وعدم التأكيد على غرسها في شخصية النشء.

إن التحديات التي تواجه الأمة كبيرة لذا نحن اليوم في أشد الحاجة إلى التمسك بالقيم والأخلاق لأنها أصل كل شيء، فإذا فسدت القيم والأخلاق انهار الإنسان، وقيم المواطنة والولاء والانتماء من أهم القيم التي يجب التركيز على غرسها في شخصية النشء خاصةً مع اتساع شبكات التواصل والتطور الإعلامي والانفتاح على العالم وظهور مشكلات مجتمعية عديدة بين فئة الشباب، الأمر الذي يجعل لقضية القيم أولوية لتعزيز قيم المواطنة والولاء والانتماء، فالتربية والتعليم لا يمكن أن يتحققا بمعزل عن القيم، فالقيم تصوغ العمل التربوي وتوجهه.

تعريف القيم

مصطلح القيم ورد في القواميس العربية وتمحور فيها حول القومةبمعنى النهضة، والقويم هو المعتدل، ومفرد القيم قيمة، وهي مشتقة من الفعل قَوَّمَ، ومصطلح القيم يرتبط بمجموعة من القواعد والمبادئ التي تتضمن حُكماً معيارياً ينظم رغبات الناس وميولهم المتنوعة، ويمثل معتقدات يصل بها الإنسان إلى السلوك المرغوب فيه. وقد جاء في معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية لجمال الدين بن سعيد أن مفهوم القيمة يتشكل بالنظر إلى الاهتمام الذي نوليه لشيء ما أو الاعتبار الذي يكون لدينا عن شخص ما، وأضاف أنه بالإمكان التمييز بين القيم المختلفة كالقيم البيولوجية والاقتصادية والأخلاقية والدينية والجمالية وما إليها كإطارٍ مرجعيٍ يحكم سلوك الأفراد ويوجه تصرفاتهم. وفي الاصطلاح تعددت تعريفات القيم، وتمثلت في ثلاثة اتجاهات كالآتي:

الاتجاه الأول: عرّف القيم باعتبارها مجموعة معايير ومقاييس يُحكم بها على حسن وقبح الأشياء.

الاتجاه الثاني: عرفها باعتبارها تفضيلات يختارها الفرد.

أما الاتجاه الثالث: فقد عرفها باعتبارها حاجات ودوافع واتجاهات ومعتقدات ترتبط بالفرد.

وظائف القيم

للقيم وظائف عديدة على المستويين الفردي والإجتماعي نوجزها بالآتي:

وظائف القيم على المستوى الفردي

تلعب القيم دورًا هامًا في تشكيل الشخصية الفردية وتحديد أهدافها في إطار معياري صحيح.

تعطي الفرد إمكانية أداء ما هو مطلوب منه وتمنحه القدرة على التكيف والتوافق الإيجابيين.

تحقق للفرد الإحساس بالأمان فهو يستعين بها على مواجهة ضعف نفسه والتحديات في حياته.

تعمل على إصلاح الفرد نفسيًا وخُلُقيًا وتوجهه نحو الخير والإحسان.

وظائف القيم على المستوى الإجتماعي

تعمل على وحدة المجتمع وتماسكه من خلال تحديد مُثله العليا ومبادئه الثابتة التي تحفظ هذا التماسك لممارسة حياة اجتماعية سليمة.

تساعد على مواجهة التغيرات التي تحدث من خلال تحديد الاختيارات الصحية التي تسهل على الناس حياتهم وتحفظ للمجتمع استقراره وكيانه في إطار موحد.

تعمل على ربط أجزاء ثقافة المجتمع بعضها ببعض في صورة متناسقة.

تقي المجتمع من الأنانية المفرطة والنزاعات والشهوات الطائشة.

مفهوم المواطنة والولاء والانتماء

يتبين لنا من العرض السابق أهمية التركيز على التربية القيمية والعمل على تعزيز قيم المواطنة والولاء والانتماء لدى الأفراد؛ فالمواطنة والانتماء من القيم السياسية والإجتماعية والتربوية التي ينبغي أن يعيها كل مواطن، فلقد أجمع الكثير ممن تناولوا تعريف المواطنة على ربطها كمفهوم مع الانتماء والولاء والانتساب للوطن في ضوء الحقوق والواجبات التي تكفل قيام علاقات تبادلية بين الفرد والدولة، فالمواطنة شعور وجداني بالارتباط بالأرض مع أفراد المجتمع الآخرين الساكنين على تلك الأرض، وتترجمه مجموعة القيم الإجتماعية والتراث التاريخي المشترك والتصرف بمسؤولية والتحلي بنماذج سلوكية مرغوبة اجتماعيًا، والتزام أساسي بمبدأ المواطنة.

والمواطنة مأخوذة من الوطن بمعنى المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله، ويقال: “أوطن فلان أرض كذا وكذا أي: اتخذ محلاً ومسكناً يقيم فيه، وواطنت الأرض ووطنها توطيناً واستوطنهاأي اتخذتها وطناً. ويرتبط هذا المفهوم بشكل مباشر مع مفهوم الولاء والانتماء والذي يُشير إلى الانتساب إلى الشيء والارتباط الحقيقي به، من خلال التمسك والثقة والمحافظة عليه وجدانياً، وفكرياً.والانتماء الوطني من أهم أنواع الانتماء، فعندما يحافظ الإنسان على انتمائه لوطنه، وأرضه يتمكن عندها من تحقيق مفهوم ومعنى الانتماء الذي يرتبط بتحقيق مفهوم المواطنة.

دور الأسرة في غرس مفاهيم حب الوطن والانتماء

ولأن الوطن هو البقعة من الأرض التي نعيش ونستمتع بخيراتها ونتمتع فيها بدفئ أمنها ورعايتها، لابد لنا جميعاً أن نعمل على غرس وترسيخ معاني الوطنية وحب الوطن في نفوس النشء بالشكل الصحيح، وهنا يبرز دور الأسرة في ذلك؛ فللأسرة دور هام في غرس مفاهيم حب الوطن والانتماء لأنها المركز الرئيس لتعزيز المبادئ والقيم الوطنية في حياة الفرد، لا سيما قيم المواطنة والانتماء والولاء المطلق للقيادة الهاشمية المظفرة، والمستمدة من قيم المجتمع الأردني والمتأصلة فيه منذ القدم. وهذا الأمر يتطلب القيام بالعديد من الممارسات أذكر منها في هذا المقام الآتي:

أولاً: شرح وتوضيح معنى الانتماء للوطن للأبناء و العمل على تقديم التوضيح الوافي حول الفوائد والحقوق التي يجنيها أفراد المجتمع عندما ينتمون إلى مجتمع واحد متماسك، والخصائص والمزايا التي يتميز بها الفرد في وطنه ومجتمعه عن غيره من المجتمعات.

ثانياً: احتواء المنزل على أشياء تمثل الوطن، مثل الرموز والأشياء التي تمثل الوطن وتغرس حبه في القلوب مثل علم الوطن أو شعاره أو الخريطة التي تبين موقعه من العالم وحدوده.

ثالثاً: تهيئة الأبناء لرفع اسم الوطن عالياً في المحافل الداخلية والخارجية وحثهم على المشاركة في كثير من الأنشطة الثقافية والإجتماعية والرياضية وتمثيل الوطن على المستوى المحلي والدولي.

رابعاً: تدعيم صورة الذات عند الأبناء وإعطائهم مزيدًا من الثقة بالنفس وتشجيعهم للتعامل مع الأمور وعدم إحباطهم؛ فانتماء الفرد لوطنه لا يتأتى من فراغ لكونه شعورًا ينموا وينضج في المراحل المبكرة من العمر؛ فالطريقة التي يستمع بها الآباء لأبنائهم عندما يتحدثون تقوي شعورهم بالانتماء للوسط الأسري الذي يعيشون فيه وبالتالي لأوطانهم.

خامساً: تعليم الأبناء وتربيتهم وتوجيههم إلى ضرورة حماية ممتلكات الوطن وغرس سلوكيات المحافظة على المرافق كما ينبغي في نفوسهم خاصةً تلك التي يستغلها الفرد بشكل مباشر وينال من خيراتها، والحرص على تبيان أن تدميرها والعبث بها يُعد تجاهل لما تعنيه المواطنة الحق من أهمية الوفاء بالمسؤوليات كعدم تخريب المدارس أو المستشفيات أو غيرها والتي قد يلجأ البعض إلى تخريبها بحكم أنها ليست ملكية خاصة وليس هناك من يحاسبهم.

سادساً: تعزيز روح الأخوة والمودة والتفاهم بين جميع أفراد الأسرة وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح والتعايش مع الأخر وتعويد أفراد الأسرة على تقديم المصلحة العامة على الخاصة، وتنشئة الأطفـال على التعايش مع الجيران تعايش سلمي.

سابعاً: تعويد الأطفال على مبدأ الديمقراطية والسلام مـن خـلال السلوكيات والممارسات العملية من قبل الأهل وذلك لحثهم على حب الوطن والانتمـاء إليـه من خلال تـشجيع أفراد الأسرة على الانخراط في كافة الأنشطة المجتمعية وتعريـفهم بـصروح الوطن واصطحابهم بجولات لتعريفهم بالمواقع التاريخية والتراثية وهو أمر يساهم بشكل كبير في تنمية مبدأ المواطنة والوطنية في نفوس أفـراد الأسـرة.

الخلاصة

إن التربية على المواطنة تُعد في كثير من المجتمعات هدفاً تربوياً أساسـياً، وحتى تكون المواطنة مبنية على وعي فإنها تتم بتربية مقصودة تشرف عليها الأسرة والدولة حيث يتعلم الأبناء العديد من مفاهيم المواطنة وخصائصها مثل مفهـوم الوطن، الحكومة، المجتمع، وغيرها من مفاهيم المواطنة وأسسها؛ فالمواطن المثقف الواعي لمسؤولياته يجب أن يتحلى بالمعرفة والمهارات والقيم التي يكتسب الكثير منها من الأسرة والمدرسة والجامعة، إذ لا معنى من إعداد جيل يتسلح بالعلم والمعرفة دون التركيز على بناء شخصية الفرد كمواطن صالح يقوم بدوره الذي ينبغـي في خدمة مجتمعه ووطنه.

حمى الله الوطن وقيادته الهاشمية المظفرة.

أقرا المزيد

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like