الإدارة الصفيّة ومهارات القيادة

الإدارة الصفيّة ومهارات القيادة

الإدارة الصفيّة ومهارات القيادة

إعداد: د. يحيى أحمد القبالي

تُطالعنا دراسات علم النفس التربوي وكتبه بسؤال كمدخل إلى طبيعة علاقة الطّالب بالمعلّم والعكس، وما يترتب على هذه العلاقة من إدارة صفيّة ناجحة للمعلّم – وهذا ما يتوقع منه وأي فشل فيها يؤدي إلى عدم اكتساب الطّلبة ( صالحهم وطالحهم) لما خطّط له المعلّم من مهارات تعليمية في تلك الحصة الدراسيّة ، ومضمون هذا السؤال هو: كم طالب مشاكس يمكن أن يعيق سير الحصة الدراسيّة؟ ويتكفّل علم النفس التربوي بالإجابة عن هذا السّؤال ويكفينا هم التخمين بالإجابة، فيجيب: طالب واحد مشاكس يكفي لإعاقة سير الحصة الدراسيّة.

ويعلم كلّ معلّم علم اليقين بأنّ الخلفيات الاجتماعية للطلبة متنوّعة ومتعدّدة وبخاصة في المجتمعات المدنيّة، ومن الصعوبة بمكان التنبؤ بسلوك الطالب أو قولبته وتطويعه بما يتمنّى المعلّم ويشتهيه، فهناك متغيرات تحدث في المجتمع المدرسي بشكل دائم، وقد يكون من المستحيل أن تتشابه المواقف التعليميّة طوال العام الدراسي وبالوتيرة نفسها، فهناك تفاعلات تجري بين المعلّم وتلاميذه يعتريها متغيرات دخيلة لم تكن بالحسبان، وعلى المعلّم التأقلم بسرعة مع هذه المتغيرات، ومن المفترض أن تكون استجابته في حدود المقبول والمعقول، ولعلّ الخلفيّة الثقافية للمعلّم ومستوى تدريبه تُخبره بما لا يقبل الشّك أنّه ضمن منظومة تعليميّة عنوانها الأبرز: أنّ المعلّم هو القدوة وهو المتحكّم بالمناخ الاجتماعي والنفسي داخل الفصل وعليه تقع مسؤولية توفير أفضل الظروف لتهيئة الطلبة لتلقي المعلومة بكلّ يسر وسهولة وحل مشكلاتهم بأيسر الطرق.

إنّ المعلّم يحمل مسؤولية أدوار كثيرة في العملية التعليميّة سواء داخل الفصل أو خارجه، فهو يمارس هذه الأدوار من أجل تحقيق الأهداف التي تسعى إليها العملية التعليمية وأنّ أي جهد يُبذل في سبيل تدريبه في أثناء الخدمة له انعكاساته على البيئة المدرسيّة ويهدف إلى مساعدته على الوصول إلى مستوى مناسب من التمكّن بحيث يكون قادرًا بالفعل على ممارسة هذه الأدوار على أحسن وجه ممكن.

ولم يعد مقبولاً أن نعتبر المعلّم مجرًد حلقة وصل بين الكتاب المدرسي وعقول الطلبة، وكذلك لم يعد مقبولاً أن نعتبر الفصل المدرسي مجرّد مكان يجلس فيه المتعلّم ليستمع إلى ما يقوله المعلّم دون أن يكون له دور في الحوار والمناقشة وإن كان –جدلاًهذا هو الحال فقد يفقد الطلبة فرصًا كثيرة لاكتساب مهارات اجتماعية بالإضافة إلى فرص لتعديل اتجاهاتهم وقيمهم وأحيانًا بعض المفاهيم التي مازالت غامضة لديهم حسب مرحلة نموهم ، إنّ نمط التفاعل السائد داخل الفصل يعتمد بالدرجة الأولى على القدر الذي يسمح به المعلّم من الحريّة والانطلاق في التفكير والتعبير عن النفس.

ومع التطورات الحديثة التي طرأت على العملية التعليمية من خلال الفلسفات التربوية الحديثة التي تنادي بأدوار أخرى أكثر أهمية للمعلّم، فقد اختلفت الممارسات التربوية استجابة لحركة الفكر التربوي المعاصر وتطوره في الإدارة الصفية.

إنّ حل المشكلات الصفيّة بأسلوبها التقليدي القديم الذي طالما كانت أشبه بمحاكمة في أغلب فصولها عند تطوّر المشكلة، ويكون ولي الأمر طرفًا فيها، ويتم توجيه التّهم من خلالها إلى المعلّم بصفته جزءًا من المشكلة ومفتعلها تسقط فيها مهابته، ويتبخر خلالها توقيره واحترامه، ويكون ندًا في هذه المحاكمة للطالب، تلك المحاكمة التي لا تترك مجالاً لأكثر من خيارين لا ثالث لهما، ففيها طرف مُصدّق والطرف الآخر مكذّب ، وفي هذه الحال يتمنى المعلّم الخروج بأقل الخسائر وقد يضطر لتنازلات مؤلمة، وقد يتمترس مدير المدرسة ويحمي نفسه خلف القوانين والأنظمة التي تحد من سلطة المعلّم، وفي الوقت نفسه يجد ولي الأمر حماية زائدة من قبل وزارة التربية والتعليم فيتوجه بالشكوى إلى أعلى الجهات التربويّة ، ضاربًا بعرض الحائط: قم للمعلّم وفّه التبجيلاكاد المعلّم أن يكون رسولاً، فهو يعتبر أن الحق يدور مع ابنه أينما دار، ويدرك التربويون من خلال رؤية أوسع أفقًا في وقتنا الحاضر بأنّ هذا الحل المجتزأ لم يعد هو الطريقة المثلى لتجاوز المشكلات الصفيّة.

كيف يتعامل المعلّم مع الطالب المشاكس داخل الغرفة الصفية؟

لم يعد للأسلوب التقليدي لحل المشكلات الصفيّة مكانًا في المدرسة الحديثة، فمساهمة المختصين في مجال الإدارة التربوية صقلت مهارات المعلمين وزادت من خبرتهم في هذا المجال من خلال التدريب المستمر، وكان لأدوات التواصل الاجتماعي دوًرا كبيًرا في حل كثير من المشكلات، وتجنّب الوقوع فيها أحيانًا أخرى، فالتواصل مع ولي الأمر أصبح في متناول اليد من خلال الاتصال المباشر وفي كلّ لحظة، كون الأسرة تشكّل حلقة من سلسلة المنظومة التعليميّة وتُسهم في حل المشكلة بدلاً من أن تكون طرفًا فيها، وانتشار آلات التصوير داخل الفصل وخارجه ومراقبة كلّ تفاعل داخل الفصول الدراسيّة ، ووجود متخصصين : صعوبات تعلّم، موهوبين، ارشاد طلابي، أخصائي نفسيالخ كلّ ذلك من شأنه توزيع المسؤولية على الجميع ولم يعد المعلّم حلالاً للمشكلات بمفرده، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتصدّر المعلّم موقف حل المشكلات منفردًا ويهمّش باقي أعضاء الهيئة التدريسيّة، أو ينوب عنهم ، فمسألة غياب الطلبة المتكرر مثلاً من اختصاص مدير المدرسة، فلا يجوز أن يُقحم المعلّم نفسه بجدال مع الطالب بخصوصها، ومشكلة العناد أو السرقة أو الغش.. من اختصاص المرشد الطلابي، فما على المعلم إلا إخبار المرشد بها، ومشكلة التأخر الدراسي من اختصاص المعلّم المصدري( صعوبات التعلم) فلا داعي معاتبة أو توبيخ الطالب على تقصيره الخارج عن إرادتهوهكذا دواليك.

وعلى ما تقدّم فقد أصبحت مهارة توزيع المسؤولية في حل المشكلات الصفيّة مهارة إضافية وأساسية لمهارات القائد الناجح تُضاف إلى خبرات المعلم وإدارته للصف، فالعمل بروح الفريق يؤدي إلى حل سريع وفعال للمشكلات وبشكل جذري.

خطوات مهمة يجب اتباعها للتعامل بإيجابية مع الطالب المشاكس:

1-من الضرورة بمكان التعرّف على الدوافع خلف سلوك الطالب المشاكس، والمثيرات التي تزيد من ذلك السلوك، والعمل على اخفائها بالتدريج.

2-اجعل للقيم جزءًا يوميًا من حصتك الدراسية، وكن قدوة وأول من يُطبّق هذه القيم، وحاول قدر الامكان وفي كلّ فرصة اظهار قيمة تلك القيم في تعاملك مع الطلبة وزملاء العمل.

3-قم بتكليف الطالب المشاكس بمهمات تتوقع أن ينجزها ويكون فخورًا بها أمام زملائه ووالديه.

4-لن يكون هناك أقدر منك على تقيّيم الموقف المزعج جرّاء ما يقوم به الطالب المشاكس، فلا ضير من استشارة من هم أكثر منك خبرة في حل مثل هذه المشكلات، ومن المفيد استشارة من سبقك من المعلمين في تدريس هذا الطالب.

5- قم بتبادل الأدوار وضع نفسك مكان الطالب المشاكس واعطه فرصة أن يقوم بدور المعلم وحاول استفزازه وتعكير صفو الحصة الدراسية، وانتظر تعقيبه على ذلك.

6-حاول احتواء الطالب المشاكس كأب وقم بإيصال رسالة له مفادها: أنك يمكن أن تكون مفيدا لنفسك ولغيرك ، وأن وقت غيرك ثمين فلا تكن سببّا في ضياعه.

7-وأخيرًا لا تدع فرصة للطالب المشاكس من تشكيل جماعة دعم له ، وحاول كسب باقي طلبة الصّف إلى جانبك ، دون تهميشه واجعله يشعر بأنّه جزء من الأسرة الصفيّة ولا يمكن التخلّي عنه أبدًا.

8-حاول استخدام أسلوب الإطفاء ( إطفاء السلوك بعدم الاكتراث به) عند ظهور سلوك غير مرغوب فيه من قبل الطالب المشاكس، وقد يكون من المفيد تعويد طلبة الفصل على معاونتك في ذلك.

إقرأ المزيد لمقالات التربويون العرب

Loading...
Play ButtonPlay Button

You May Also Like