اقتصاد التّعليم بقلم د. يحيى أحمد القبالي

اقتصاد التعليم 1

اقتصاد التّعليم

Education economics

بقلم:د. يحيى أحمد القبالي

يحمل مفهوم الاقتصاد معانٍ متعددة ولكلّ معرّف من المعرّفين له خلفيته التي ينطلق منها، أمّا مصدر هذا المفهوم( الاقتصاد) فقد جاء من أصلٍ إغريقي وهو يدل على إدارة المنزل،وعلى إدارة الإنتاج والطرق المثلى للتوزيع وشؤون التّجارة والتسويق والاستهلاك للسلع والخدمات، وينطلق من المجال الاجتماعي الذي يُركّز على الممارسات والنقاشات والتعبيرات الماديّة المرتبطة بإنتاج الموارد المحدودة واستعمالها وإدارتها

ويعرّف ( ليونيل روبنز 1932م) الاقتصاد حيث يقول: الاقتصاد هو علم يهتم بدراسة السّلوك الإنساني كعلاقة بين الغايات والموارد النّادرة ذات الاستعمالات المتعدّدة، ويدرس السّلوك البشري والرفاهيّة كعلاقة بين المقاصد والأهداف، وبين الموارد المتاحة المحدودة والنّادرة

أمّا المعنى اللغوي للإقتصاد فهو: التوسّط بين الإسراف والتقتير، فقد جاء في معجم (مختار الصحاح) : القصد بين الإسراف والتقتير ، فيقال : فلان مقتصد في النفقة

وإذا تعلّق الأمر باقتصاد الدّولة فنعني به : حالتها الماليّة بالإضافة إلى كلّ ما يتعلّق بها مثل: الانتاج والتوزيع والإنفاق وأسواق العمل وغيرها. وللاقتصاد تعاريف كثيرة من بينها : الاقتصاد يشير إلى الاستغلال الأمثل لكلّ ما يملكه مجتمع ما من موارد محدودة من خلال مجموعة من الأنشطة والعمليات بالاعتماد على العوامل الرئيسيّة للاقتصاد وهي : الأرض ، والأيدي العاملة، ورأس المال

يُعرّف رشدان(2015م) الاقتصاد بأنّه: دراسة انتاج وتوزيع جميع الموارد النادرة من سلع أو خدمات غير ملموسة

وعلى ما تقدّم يمكن أن نتبنّى المفهوم التالي للاقتصاد: هو العلم الذي يُفسّر كيفيّة استغلال الأفراد للموارد المتاحة لديهم، أو اتخاذ قرار ما يفيد في استغلال هذه الموارد الاستغلال الأمثل ليعود عليهم بالنفع

ومفهوم الاقتصاد مفهوم واسع لا يقتصر على الجانب المادي، فهو يشمل الأموال المنقولة وغير المنقولة : كالثروة والتمويل والكساد والأعمال المصرفيّة ويتسع لخبرات الأفراد ومهارات السّوق المطلوبة
إنّ سوء استخدام الاقتصاد يؤدّي إلى عواقب وخيمة ينتج عنها تدمير الوطن والمواطن وتفشّى الفساد والبطالة

ويُعدّ رأس المال من أهم ركائز الاقتصاد وهو يشمل، رأس مال مادّي، ورأس مال بشري

أمّا رأس المال البشري فهو مصطلح أنشأه ( غاري بيكر 1930 – 2014م) ويعرّفه : بأنّه مخزون المعرفة والعادات والسّمات الاجتماعيّة والشخصيّة، بما في ذلك الإبداع المتمثّل في القدرة على أداء العمل لإنتاج قيمة اقتصاديّة

وأنّ الاستثمار في رأس المال البشري يشبه تماماً الاستثمار في رأس المال المادي من حيث الأهمية، إذ أنّ لتطوير رأس المال البشري انعكاسات هامة على النمو الاقتصادي، فالمنفعة متبادلة حيث أنّ هذه العلاقة ذات اتجاهين، بمعنى أنّ التّعليم والنّمو الاقتصادي يدعم كلّ منهما الآخر، فمن ناحية يستطيع الاقتصاد النّامي زيادة تخصيص الموارد لدعم وتطوير التّعليم والصّحة وغيرهما، ويُسهم الاستثمار في المورد الإنساني في سرعة عملية النّمو الاقتصادي من النّاحية الأخرى

ونلمس هذا الأمر فيما أُطلق عليه ( اقتصاد التّعليم) فإنّ رأس المال البشري هو العنصر الأهم، لأنّه يُعبّر عن قدرة الإنسان على الانتاج، وقيمته تساوي سعر طاقته الانتاجيّة مضروبًا في حجم قدرته الإنتاجيّة

للتّعليم جانب اقتصادي لا يقل أهميّة عن الجانب العلمي، يتمثّل في حاجة المؤسسات التعليميّة وحاجة المتعلمين للجانب المادي، ولا غنى للمجتمع عن المخرجات التعليميّة ذات الجودة والكفاءة ( كامل، 2007م)

لقد ظهر علم اقتصاديات التّعليم في الستينيات من القرن الماضي على يد علماء الاقتصاد الذين أهتموا بتأثير التّعليم على النّمو الاقتصادي مما أنتج ما يُعرف بعلم اقتصاديات التعليم الذي يمكننا أعتباره من العلوم القديمة(اللواتي،2010م)

وعرّف الشريفات(2001م) اقتصاد التّعليم : ذلك العلم الذي يبحث في الّتعليم من حيث التمويل والنفقات والعوائد والكفاءة الإنتاجية ودور التّعيلم في تحقيق الكفاءة الاقتصاديّة

فقد كان لاقتصاديات التّعليم أثرا بالغًا في تغيير النظرة إلى التّعليم من كونه قطاع خدماتي إلى مفهوم أعم وأشمل إذ ترتكز عليه عملية التنمية البشريّة التي هي الهدف المنشود، من هذا المنطلق بدأت النظرة إلى الإنفاق على التّعليم تتغير تدريجيًا، وبدأ مفهوم رأس المال البشري في الشيوع بين علماء الاقتصاد المهتمين بالتربيّة والتّعليم، وكيف أنّ للتعليم دورًا كبيرًا في المساهمة بالتنميّة الاقتصاديّة، وبدأت الدّراسات تتوالى في مجال اقتصاديات التّعليم، وأشارت إلى أهميّة التّعليم كرأس مال بشري يفوق أضعاف رأس المال المادي التقليدي وآثاره في إقتصاد الدول. ولفت هذا الحال نظر المتخصصين إلى الاهتمام بالمدخلات وليس بمخرجات التّعليم وحسب وربطها بحاجات السّوق، وإعادة تدريب وتأهيل المعلمين والاهتمام بالبيئات التعليميّة ودعمها للتكيّف مع المتغيرات العالميّة المتغيّرة بشكل دائم

وعلى ما تقدّم أصبح اقتصاد التّعليم Education economics يمثّل أحد الموضوعات الرئيسة في مجال الاقتصاد، وأصبح تخصّص يجمع بين علم التربيّة والتعليم وعلم الاقتصاد

فقد أورد الاقتصادي الاسكتلندي (آدم سميث، 1776م) في كتابه (ثروة الأمم)، أهميّة العنصر البشري حيث بيّن في أكثر من موضوع أهميّة التّعليم، وجعل بين عناصر التّعليم رأس المال الثابت، الذي عرّفه بالقابليات المكتسبة والمفيدة لبعض أعضاء المجتمع والتي يسهم التّعليم في بنائها

وهذا الاقتصادي البريطاني (الفرد مارشال، 1890م) في كتابه (مبادئ الاقتصاد) وقف عند أهميّة التّعليم بوصفه استثمار قومي ويمثّل أقوى صور رأس المال عطاءً بالنسبة للمجتمع

وجاء (مالتس 1798م) بنظريته (التكاثر السكاني) وأنصاره معًا ليؤكدوا من جديد أهميّة التّعليم ومكانته كعامل من عوامل التنميّة الاقتصاديّة، وأشاروا إلى دور التّعليم في تنظيم العلاقة بين نمو السكّان ونمو الموارد الطبيعيّة

وتكاد تكون أبحاث ( ثيودور شولتز،1963م) الاقتصادي الأمريكي في كتابه (القيمة الاقتصادية للتّعليم) من الأبحاث الرائدة في مجال قياس العائد الاقتصادي للتّعليم، حيث اتجه في أبحاثه إلى فكرة الاستثمار في البشر متخذًا زيادة الانتاج وظاهرة التحسّن التي سادت الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة والتي أرجعها ( شولتز) إلى زيادة استثمار الأمريكيين لأموالهم في أنفسهم وبخاصة التّعليم، واعتبر أنّ الاستثمار في التّعليم هو ما يفسّر ما تتميّز به ظاهرة النّمو الاقتصادي للبدان المتقدّمة، وأنّ مفتاح الاستثمار البشري يكمن في التّعليم

من هنا كان من الضرورة بمكان الإشارة إلى البيئات التعليميّة المدرسيّة والجامعيّة بصفتها حاضنة لرأس المال الفكري الذي سيقود المجتمع مستقبلًا، والاهتمام بمراحل التعليم كوحدة واحدة غير منفصلة

نشأة علم اقتصاديات التّعليم

أثبت التّعليم دوره البارز في تطوير عمل الإنسان والتأثير في نتائجه، وامتدد ذلك الأثر إلى الاقتصاد العام للدّولة، ومع ذلك لم يتم الاعتراف بكون هذه العلاقة ذات تأثير مباشر وتبادلي، حيث كان يُنظر لدور التّعليم بأنّه دور خدماتي بعيدًا عن الجانب الاقتصادي، ومع مرور الوقت بدأ الاهتمام بهذه العلاقة شيئًا فشيئًا، ومع ذلك لم يتم الاعتراف بهذه العلاقة كعلم ودراستها بشكل مستقل ودقيق، ومرّت بمراحل أدّت في النّهاية إلى الاعتراف به كعلم من علوم الاقتصاد في ستينيات القرن الماضي

وفي وقتنا الحاضر أثبت اقتصاد التّعليم أهميته حيث لا يختلف على ذلك اثنان، فقد رأينا كيف أن خبيًرًا واحدًا من احدى البلدان التي اهتمت بالتّعليم وصرفت الكثير من ميزانيتها العامّة في دعمه وتطويره واهتمامها بالبحث العلمي، كيف أنّ هذا الخبير يغادر بلده إلى بلدٍ آخر ويعود خلا أيام بثروة تعادل أطنانًا من مادة الفوسفات أو ألوفًا من براميل النفط أو أي ثروة طبيعية أخرى تنتجها بلاده، عدا عن الأساتذة الجامعيين المحاضرين في بلدان غير بلدانهم وما يعودون به من استثمارات في بلادهم جرّاء ما يحصلون عليه من مالٍ مقابل ما يحملون من كفاءة، وينطبق هذا الحال على الخبراء في كافة المجالات الذين يجولون البلدان كرأس مال فكري متنقّل ورافدًا اقتصاديًا بالغ الأهميّة لوطنهم، ونعود ونكرر العبارة المشهورة (التعليم أفضل استثمار) إذا كان في أيدٍ كفؤة وأمينة

هناك شواهد كثيرة على دولٍ عدّة عرفت كيف تدير اقتصاد التّعليم وكيف ساهم ذلك الاقتصاد في نمو انتاجها القومي من خلال المخرجات التي اعتمدت على جودة المدخلات

وعند الحديث عن الجدوى الاقتصاديّة لأي مشروع أو عمل فلا بدّ أن نضع نصب أعيننا مدى نجاح ذلك المشروع أو العمل من خلال الناتج، فمدى النّجاح مرتبط بالإنتاج؛ لذا يجب أن يكون الانتاج أضعاف الجهد المبذول وليس مكافئًا له فحسب، وإجراء تغذية راجعة دوريّة لتسويق هذا الانتاج، والاحتراز من الوقوع في فخ غزارة في الانتاج وسّوء في التوزيع

وزارة التربية والتعليم (moe.gov.jo)

 

Loading...
Play ButtonPlay Button

 

You May Also Like