الجراثيم ومشاتل إنتاج المهارات

الجراثيم ومشاتل إنتاج المهارات بقلم الدكتورة أميرة يوسف

الجراثيم ومشاتل إنتاج المهارات


بقلم: الدكتورة أميرة يوسف.


نلهث وراء جمع كتب الطلاب، وإنهاء المناهج في زمن قَصُر بعد أن اقتطع من الوقت المخصص لإنهائها، وتداهمنا القرارات المتوالية والمفاجئة، وتغيير طبيعة التقويم ويركض كل من الطالب والمعلم في خطوات لاهثة متخبطة بين ختم المناهج المكتظة الزخمة، وبين التقويمين: الكتابي والأدائي في فترات متداخلة، وبين ما فُهِم، وما عُلِم، وما ضاع بين السطور، ويضيج الطالب ويضج الأهل. ونسأل: هل كان التخطيط غائبا؟ هل حل التخبيط مكان التخطيط؟!
بينما يلهج العالم متلهفا للمزيد من التطور والتنمية والازدهار، مواجها التحديات، زمتطلعا لحلول ذكية للمشكلات التي تهدد البشرية من نقص الغذاء، والوقود، وغيرها، مهتمين بمنظومة التعليم ومؤسساتها، مؤمنين بأنها حاضنة التغيير والتطوير، ومصنع إنتاج الحلول والبدائل بوساطة الطاقات والكفايات البشرية التي تصدرها لمجتمع، لم تعد مساحته تلك المساحة المحدودة المحصورة بحدود الوطن، والدولة وإنما أصبحت مساحة منفلتة الأبعاد بحجم المواطنة العالمية، وأدواتها.
صارت المواطنة العالمية والتنمية المستدامة، وأنماط الحياة المستدامة مطلبا يتحقق بحصول جميع المتعلمين على المعرفة، والمهارات اللازمة لتعزيز التنمية المستدامة، عن طريق التعليم الذي أصبح على رأس أولويات المجتمع الدولي، وصرنا مجبرين على الانتقال بالمتعلمين من كونهم أوعية لتخزين المعرفة، إلى كفايات خلاقة ومنتجة بامتلاكها أدوات الوصول إلى فرص التعلم مدى الحياة، التي تساعد المتعلمين على اكتساب المعرفة، والمهارات اللازمة لاستثمار الفرص، والمشاركة بشكل كامل في المجتمع. فالتحديات والمخاطر التي نواجهها اليوم تدعو منظومتنا التعليمية الوطنية لإعادة صياغة مفردات التعليم، لخلق عقلية التطوير الذاتي لدى طلابها.
إن نوعية التعليم التي يتلقاها الفرد في المؤسسات التعليمية بمستوياتها، هي التي تستصدر هوية المواطنة العالمية للفرد، فإما أن تجعله حاملا للمواطنة العالمية، أو تذره بهوية متأخرة ينتمي لعصور سابقة، فالثروة التي يمتلكها الفرد في يومنا هذا لينافس على البقاء، والاستمرار في عالم يزداد فيه التنافس، تكمن بامتلاك مهارات قوى الحياة المستدامة اللازمة والمهمة، وعلى تعليمنا التركيز على هذه المهارات من مثل: حل المشكلات المعقدة، والتفكير النقدي، والإبداع، والذكاء العاطفي، والاستماع النشط، والتعاون، وتقديم الأفكار والتواصل، وفهم كيفية اتخاذ القرارات الصعبة، وإبراز القدرات القيادية، إذ كلها مهارات الشخصية القوية لبيئة حياة منتجة، ومتعاونة وصحية.
صار لزاما على مدارسنا وجامعاتنا أن تتحول إلى مشاتل لإنتاج المهارات الفردية للمتعلمين، وعلى المنظومة أن تتحول بكاملها لهذا الإنتاج، وأن تكون المناهج أكثر تعددًا للتخصصات؛ بدلاً من تنظيمها حسب مواضيع مختلفة، والتركيز في التعلم على الثقافة والإيكولوجي، وتأهيل المعلمين لخلق عقلية التطوير الذاتي والاستدامة للحياة، ولعل (باسي سالبرغ أبو المنظومة التعليمية الفنلندية) كان سباقا عندما قال: إن إصلاح أي نظام تعليمي، وتطويره يكون بالتخلص مما أسماه بالجراثيم وهي: تكثيف المواد، وكثرة الاختبارات، والامتحانات، وإطالة ساعات الدوام، والدراسة المنزلية، والدروس الخصوصية؛ وكأننا استوصينا بها جميعا-!! وقال: إن تجويد أي منظومة تعليمية يتأتى من تحويل المدارس بها إلى مشاتل لإنتاج المهارات، وإن لم تسارع منظومتنا التعليمية وقادتها بالتكييف مع المتطلبات المعاصرة والتخلص من الجراثيم، فستبقى بعيدة عن طريق النمو والنجاح، وستضع أفرادها خارج خارطة المواطنة العالمية.
وعلينا ألا ننسى الجرثومة الأكثر ضررًا وهي جرثومة الأشخاص غير المؤهلين الفاشلين في تقلد المناصب، والمفلسين في التطوير.

وزارة التربية والتعليم (moe.gov.jo)

Loading...
Play ButtonPlay Button

You May Also Like