إستراتيجية تعلم شاملة بقلم: الدكتور محمود المساد

التعلم القائم على المشروع إستراتيجية تعلم شاملة بقلم الدكتور محمود المساد مدير المركز الوطني لتطوير المناهج

التعلم القائم على المشروع

إستراتيجية تعلم شاملة

بقلم: الدكتور محمود المساد

مدير المركز الوطني لتطوير المناهج

 

مقدمة

فكر بعمق حينما ترى أو تسمع أن طلبة من التعليم العام يعملون معاً في حياكة لحاف؟ ألا ترى أنهم يصوغون معاً قصة من حياتهم التشاركية الجماعية. وقبلها قصة بعض طلبة المتوسط حيث يقومون بإعداد بحث ما واستدعوا بعض الطلبة السابقين للمشاركة – هل ترى أن مشاركتهم قد تحدث أي تغيير في مسار وموضوع البحث؟ وبالمثل فكر في مجموعة من المتعلمين يريدون أن يفتتحوا (مقهى/ cafe): يتفاوضون لتحديد المكان، ويقدرون الميزانية، ويناقشون كيفية تأمين المواد اللازمة، وكذلك عملية إعداد وتجهيز الطعام الذي سيُقدّم في شكله النهائي للعملاء. وآخرون من الطلبة وهم يتناولون بعض المسائل الخاصة بالعمالة الخارجية وذلك من خلال عقد المقابلات، وتسجيل خبراتهم وتجاربهم الشخصية، والتحدث مع الخبراء، والاستعانة بالمكتبة، والبحث في الإنترنت

كل هذه أمثلة لمعلمين وطلبة يسعون لإيجاد طرق وأساليب جديدة للعمل التعاوني من خلال نموذج للتعليم يسمى التعلم القائم على المشروع “.

إن التعلم القائم على المشروع ” – في مفهومه البسيط – يقوم على مجموعة من المتعلمين يضطلعون بقضية ما قريبة من قلوبهم، فيستجيبون لها، يناقشونها، ويضعون لها الحلول المناسبة ثم يتقدمون بعرض عنها أمام الطلبة الآخرين. وقد يستفاد من نتائجها في الواقع العملي.

وقد يستغرق المشروع بضعة أيام، أو عدة شهور.

وفي بعض الحالات، تتحول المشروعات إلى عمل تجاري مثل المقهى الذي يديره الطلبة، وبرنامج اللغة العربية للناطقين باللغات الأخرى.

إن هذا التعلم يتوافق تماماً مع مفهوم المنهج الحديث الذي يتلخص بكل ما يُخطط للطالب (الطلبة) أن يتعلمه داخل المدرسة وخارجها. وبهذا يكون التركيز على دور الطالب في التعلم واكتسابه المهارات التي تمكنه من ذلك عبر الفرص والمهام المتعددة التي تتيحها هذه الإستراتيجية في التعلم الموجه الذي يُفضي للتعلم المستقل. وهنا يُنظر إلى الكتب المدرسية كوسيلة لتحقيق هدف التعلم المتصل باكتساب المهارات والمعارف التي تضمن للمتعلمين مواجهة الحياة بمشكلاتها المتعددة والتغلب عليها والتعايش معها والوصول لحالة النجاح والتفوق. وفي هذا الصدد لابد وأن تُطرح التساؤلات التالية: –

   ماذا تعرف عن التعلم القائم عل المشروع؟ ولماذا يعتبر أسلوباً حيوياً في تعلم الصغار والكبار ويساعدهم في النجاح والتطور؟ وهل بالإمكان ربط هذا الأسلوب أو هذه الطريقة بغيرها من طرق التدريس الأخرى الخاصة بالتعليم والتعلم؟

–   وللإجابة على هذه التساؤلات لابد من النظر إلى التعلم القائم على المشروع كإستراتيجية شاملة توظف أسلوب حل المشكلة وأسلوب التفكير النقدي وأساليب الاستقصاء والبحث. والاكتشاف واتخاذ القرار وغيرها الكثير الذي تفيد في إنجاز المشروعات وتحقيق أهدافها. إضافة إلى الدخول من باب الأحداث الجارية وقضايا المجتمع الهامة للأفكار الخاصة بالمشروعات مصادر متعددة ومتنوعة. ففي بعض الأحيان يجتذب حدثٌ معين أو قضية بعينها اهتمام البعض ويخلق في نفوسهم الحماس لعمل شيء ما استجابة أو كرد فعل لهذا الموقف، مثلما حدث عندما قررت مجموعة من المتعلمين في برنامج اللغة العربية لغير الناطقين بها تنظيم حملة لجمع التبرعات للمهجرين في المخيمات وقد يكون ذلك لأطفال غزة أو أطفال الطرقإلخ“. أو ربما يكون المعلم نفسه هو المصدر الذي يقدم فكرة المشروع.

ولكن كل المشروعات تمر بصفة عامة بمراحل متعارف عليها وهي: تحديد المشكلة أو القضية، تقصي المعلومات، التخطيط وتحديد المهام، بحث الموضوع، إنجاز الموضوع، تطوير المنتج النهائي، تقييم المشروع. وبالتفصيل يمر العمل على أية مشروع بمراحل عشرة هي:

الخطوات العشرة للعملية (مراحل عمل المشروع)

مالخطوات
1الموافقة على فكرة المشروع.
2تحديد المخرجات (الأهداف المتوقعة).
3هيكلة المشروع.
4إعداد الطلبة لمتطلبات الخطوة الخامسة.
5تجميع المعلومات ومتطلباتها:

‌أ.        مقابلات شخصية، إجراء المسح….إلخ.

‌ب.   دخول المكتبة أو البحث عن طريق شبكة المعلومات.

‌ج.    كتابة الخطابات وإرسال الخطابات الالكترونية.

‌د.       المشاهدة والاستماع للمستندات والإعلانات والأفلام.

6إعداد الطلبة لمتطلبات الخطوة السابعة.
7معالجة البيانات وتصنيفها وتحليلها:

‌أ.        نسخ المقابلات المسجلة.

‌ب.   تأليف الملخصات.

‌ج.    تجميع المعلومات وتحويلها إلى معلومات مرئية.

‌د.       تقييم الأنواع المختلفة للمعلومات.

‌ه.       المقارنة بين المعلومات ومصادرها.

8إعداد الطلبة لمتطلبات الخطوة التاسعة.
9التقرير بالبيانات وعرض المخرجات النهائية:

أ‌.        العرض اللفظي، المناظرات، تغيير الأدوار.

ب‌.   التقارير المكتوبة والملصقات والخطابات ومجلات الحائط والنشرات والمعروضات المرتبة والكتيبات والموضوعات المصورة.

10تقييم المشروع من خلال ثلاث منظورات:

‌أ.        لغة المشروع.

‌ب.   محتوى المشروع.

‌ج.    العمل الذي تم عبر المراحل المختلفة للمشروع (خطوة بخطوة) ومدى انسجامه مع خطوات المشروع العشرة.

‌د.       قيمة المخرجات وعوائده (الانطباع العام).

:أفكار حول الموضوع

–    أن الأطفال يتعلمون أكثر من خلال الخبرات والتجارب التي تنسجم مع اهتماماتهم وتلقى قبولا لديهم، ومن خلال الأنشطة التي تراعي الفروق الفردية بينهم، ولذلك فقد تم توجيه المعلمين بملاحظة المتعلمين واهتماماتهم لكي يتم الربط بين ما يريده الطالب وبين ما هو موجود في البيئة الصفية. وهذا يتفق إلى حد كبير مع خصائص مراحل النمو للأطفال ويمتد بشكل أقل للمراحل الأعلى تحت عنوان توظيف أكثر للحواس وأن ما نتعلمه من خلال العمل والاندماج يعيش فينا أكثر ويخزن في الذاكر طويلة الأمد.

–    إن التعلم القائم على المشروع يعكس منظور علم النفس الذي يرى أن التعلم يحدث من خلال التفاعل الاجتماعي الذي يشجع الأفراد على التعامل مع التحديات التي تتعدى نسبيا حدود قدراتهم الحالية، كما يرى أن المفاهيم تتطور ويزداد الفهم عمقاً عندما يدخل الأفراد في نقاش وتفاعل مع نظرائهم أو مع المعلمين، هؤلاء الأفراد يمكنهم حل المشكلات، والمساعدة في إيجاد الحلول، وإحراز التقدم، وتقييم النجاح.

–   هناك الكثير من الصفات التي يشترك فيها كل من التعلم القائم على المشروع ”    والتعليم الجماعي وفلسفة فريري لتعليم الكبار، والمبدأ الرئيس لأسلوب التعلم القائم على المشروع هو أن التعلم يتحقق إذا ما انبثق محتوى المنهج من البيئة الاجتماعية للمتعلمين، وبذلك فإن المشروعات تؤكد على الجوانب الاجتماعية والسياسية للقضايا المطروحة أكثر من الأبعاد الثقافية والشخصية.

   وقد تم تفعيل التعلم القائم على المشروع في تعليم الكبار في برامج تعلم القراءة والكتاب في الولايات المتحدة وفي الدول النامية، ويطلق عليه أحياناً المعلومات تعمل ويُعرَّف كذلك بـ الأفكار تعمل “.

فهو يُشكل عملية تمكن المتعلمين الكبار من تنمية لغتهم وقدرتهم على القراءة والكتابة، ومهارات حل المشكلات أثناء بحث المشكلة وإحداث تغيير مؤثر في الجماعة، وفي كل مكان من العالم نجد الكثير من الأمثلة للناس المقيمين الذين يعملون كمجموعة يناقشون ويحللون ظروفهم المعيشية ومن ثم يطالبون بالتغيير. وفي هذا المجال يأتي التركيز على هذا النوع من التعلم باعتباره يبني المهارات اللازمة للتعلم المستمر من بدايات التعلم وفي عمر مبكر، وهذا يتماشى مع التوجهات الحديثة في أهداف التعلم القائمة على بناء العقل النقدي والفكر الذي ينزل مع المتعلم إلى الشارع وإلى الحياة ليكون الفكر عموماً واقعياً لدعم صاحبه بالنجاح وتجاوز المشكلات.

مقتطفات للتفكير:

1.  ((رغم أن التعلم القائم على المشروع لا يتم التركيز عليه بالقدر الكافي في التعليم الأساسي، ورغم أنه يشغل مساحة أقل مما تحظى به البحوث الاجتماعية الميدانية، إلا أن الفرصة كبيرة للطلبة في أن يتعلموا بنشاط وإفادة لو أعطيت لهم الفرصة وأنهم سوف يستجيبون للقضايا الإبداعية المعقولة والجديرة بالاهتمام والتي تلقى قبولا لدى الجماعة)).

2.  ((إن توجيه الجماعة لتعلم القراءة والكتابة ينسجم مع التعلم القائم على المشروع، كما أن المعلمين الذين يعملون في برنامج التعليم الإنساني الذي يركز على النمو الفردي وتحقيق الذات أكثر من العمل الجماعي. غالباً ما يشجعون المشروعات التي تتضمن عبارات شخصية وثقافية للذات وللجماعة، في حين أن الآخرين يقومون بدمج المشروعات في المنهج القائم على الموضوع، مشجعين تلك المشروعات التي تعتمد على الدافعية الإبداعية للمتعلمين الذين تتوفر لديهم القدرة على تطوير كتب التذكر (الاستظهار)، أو إعداد كتب مفيدة ذات أصول تربوية وعملية لأطفالهم، أو تأليف مسرحيات ومواقف تمثيلية قصيرة، أو نظم قصائد وأناشيد، أو تجميع بعض أقوال مأثورة وأحداث ذات مغزى قيميّ من فترة طفولتهم وتلقينها لأطفالهم لتنشئتهم عليها. إن المشروعات التي تؤكد على التعبير عن الروح الإنسانية من خلال اللغة والأدب تزكي الميول الشخصية للتعلم وتحفزه)).

3.  ((ليس من الضروري أن تصمم المشروعات من أجل جمهور المشاهدين أو المستمعين، إنما هي للمتعلمين إذ تعطيهم الفرصة لكي يعملوا كمجموعة متكاملة، يقسمون العمل بينهم كأفراد، ويبحثون عن الإجابات لبعض المسائل التي انتقوها من مصادر مختلفة مثل الانترنت. أما المنتج النهائي فهو عبارة عن سلسلة من الأسئلة والإجابات جمعت في وثيقة اشترك فيها أفراد المجموعة ككل متحد ومتعاون)).

4.  ((إن المتعلمين يعملون في جماعة ينتقون الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وهم الذين يوجهون دفة التعلم الخاص بهم، يعتمدون على آراء زملائهم ويمدون الآخرين بالتغذية الراجعة، وقد يستعينون بالمعلم كأحد المصادر، ولكنهم ينتجون المعرفة بأنفسهم، فهم مبدعون والمعلم مجرد موجه ومرشد فقط)).

وظيفية المحتوى (السياق)

    يهتم كل من الطلاب والمعلمون بمهارات الحياة، وكلما تمكن الطلبة من المهارات المعرفية أكثر كلما أمكن اختيار المشروعات التي تساعد المتعلمين في تلبية حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والحياتية عموماً وذلك بتهيئتهم للتوافق مع البيئة الجديدة، أو التوظيف الأكثر فاعلية في المواقف المشابهة. وغالبا ما تتمخض هذه المشاريع عن إفراز استراتيجيات وتوجيهات (دلائل) تُسهّل عملية انتقال النظم والخبرات. ومن هذه الأمثلة: الدليل الذي يكتبه الطلاب لذويهم الجدد أو القائمة بالتفاصيل والمعلومات عن كيفية التعامل مع متطلبات القبول بالجامعة أو الكلية أو مركز اللغات، أو تعبيرهم بطرائق مختلفة عن رفضهم لقرار مجلس الضبط في المدرسة أو مبرراتهم المقنعة لقبولهم بعضوية النادي المدرسي. عندما يتناول المتعلمون (الطلبة) بحثا عما يحتاجونه لمناقشة موضوع كالبيروقراطيات في الحياة المدرسية وكيف تكون المعاملة الديمقراطية لكل من الطلبة والمدرسين والإدارة مثلا فإنهم يكتسبون المهارات والمعرفة المتصلة بالكفاءة الميدانية فضلا عن قيامهم بتطوير استراتيجيات اتخاذ القرار.

 فحينما يتعرف الطلبة على احتياجات سوق العمل والتخصصات الجامعية المُتاحة لهم ومتطلبات هذه التخصصات التي تنتهي بوظائف مناسبة لهم وتلبي رغباتهم، فإنهم يجتهدون لتحصيل متطلباتهم من الدرجات. وعندما يتناول الطلبة مثل هذه الموضوعات في مشاريعهم فإن ذلك يمثل أسلوبا إبداعيا للربط بين التعليم الذي يركز على المتعلم وبين البحث والتحري في ميدان العمل. إن العمل القائم على المشروع إنما يمكّن المتعلمين من العمل في جماعات لدراسة فرص العمل المحلية، وتوثيق تاريخ العمل في مجتمعاتهم، أو عمل البحوث عن الحاجات التعليمية والتدريبية للوظائف المختلفة. فأثناء قيامهم بهذا البحث ومن ثم تقديمه للآخرين بعد اكتماله في شكله النهائي، تنمو ثقتهم بأنفسهم كما تثرى لديهم المعلومات التي يحتاجونها في عملية البحث عن وظيفة بوقت مبكر وهم على مقاعد الدراسة في التعليم العام. وإذا ما أخذنا أحد المجتمعات كمثال حيث تطلب بعض الشركات موظفين يشترط أن تتوفر لديهم مهارات التواصل مع الغير   وأن يكونوا مؤهلين للعمل في جماعات، ويتميزون بالقدرة على اتخاذ القرار وحل المشكلات حين ظهورها، فإننا نجد أن التعلم القائم على المشروع يمكن عمليا أن يعمل كأداة فاعلة لإعداد الطلاب للمنافسة في سوق الوظائف العالمي.

بالرغم من أن دور المعلم هو أقل من دور المدرب الذي يضطلع بنقل المعلومات وتنظيم الأنشطة التدريبية، ورغم أنه يتعدى دور الموجه أو المبسّط للمعلومة، فإنه مع ذلك يمثل دور الناقد المتفحص. فالمشاريع تتطلب معرفة المعلمين لاهتمامات طلابهم، ويجب على المعلمين تحري ما يسمى باللحظة المثالية لتقديم المادة التي يريدون أن يعلموها للطلبة، تلك اللحظة التي قد تُمثل نقطة في نقاش حول موضوع معين يصل استعداد المتعلم فيها للتلقي ذروته، حينئذ يبدأ في عرض أسئلة مثل: “لماذا يحدث شيء ما وماذا يمكننا أن نفعل إزاء ذلك؟

ولتبسيط عملية التعلم القائم على المشروع فإن الأمر يتطلب وجود نوع من مهارات القيادة تمكن المعلم من مساعدة مجموعة من المتعلمين على السير في الاتجاه الذي يرغبون فيه مع توضيح ما قد يقابلهم من معوقات (مطبات)، أو يزودهم بمقترحات مع الحرص على عدم إظهار أي امتعاض أو نفور إذا ما أصر الطلاب على أفكارهم لما لها من أهمية من وجهة نظرهم. ومن الأهمية أن يكون لدى المعلمين الاستعداد لغض النظر متعمدا عن بعض الغموض، وهذا في حد ذاته إنما يثمل إحدى المهارات التي تترك للطلاب فرصة لمناقشة أوجه الخلاف وتنمي من ثقتهم بأنفسهم – تلك الثقة التي تجنبهم الاستسلام عندما تبهت صورة المشروع في أعينهم أو يشق عليهم تجميع جوانبه في تناسق وانسجام.

لا يمكننا أن نجزم بأن كل المشروعات تكلل بالنجاح. فبعض المعلمين ليسوا على تلك الدرجة من الخبرة التي تمكنهم من توجيه العملية بنجاح. قد يكونوا مبالغين في تقييم قدرة الطلاب للقيام بالمشروع قبل أن يضعوا القاعدة الأساسية للعمل، أو أنهم قد عجزوا عن تسليم الطلاب دفة القيادة عندما يغدو مؤهلين لها. وعلاوة على ذلك فإن الطلاب قد لا يتوافر لديهم الرغبة الفعلية للعمل في المشروع أو ليس لديهم التصميم الكافي والروح المعنوية العالية لإنجازه.. فقد يشعر بعض الطلاب أن المعلمين قد يقوضون دورهم إذا لم يكن لديهم القدرة على تقديم الإجابات المطلوبة، أو ربما لا تتوفر لديهم الرغبة في التعلم الجماعي والمشاركة مع زملائهم الطلاب أو التعلم والاستفادة بما يتعلموه.

هناك العديد من الاستراتيجيات التي يمكن لها أن تجعل من الأمور أكثر سهولة. فإذا كان هناك بعض الطلاب الجامحين (الرافضين بقوة وخاصة للعمل مع الفريق)، فيمكن حينئذ أن نجعل المشاركة أمرا تطوعيا (اختياريا): فبعد أن يتم تحديد الموضوع ومناقشة الإمكانات، يختار الطلاب إما الانضمام إلى فريق المشروع أو العمل بمفردهم أثناء الفترة الزمنية المخصصة لعمل المجموعات. قد يكون العمل لمدة ساعة أو ساعتين أسبوعيا أفضل للتعلم القائم على المشروع في الفصول ذات الكثافة العددية القليلة. وإذا ما تواجدت حالات يكون الطلاب والمعلمون فيها حديثي عهد بالتعلم القائم على المشروع، فإن إثراء المنهج بحيث يعطي مساحات عريضة للنقاش الجماعي واتخاذ القرار من شأنه أن يُسهّل عملية التحول التدريجي إلى التعلم القائم على المشروع. وإذا ما قرر الطلاب الكبار تولي مشروع، فإنهم يحتاجون إلى وقت كاف للتخطيط للمشروع وللمراجعة والتنفيذ والتعليق عليه قبل تقديمه للآخرين. وقد اقترح Anason Green)) المتخصص في مهارات الاتصال أن تعلق المهام وخريطة الوقت والمسئوليات التي صاغتها المجموعة على الجدران بصفة دائمة وفي مكان ظاهر وذلك للتذكير بأحوال المشروع ومتابعة مسيرته. إن القيام بعمل مسودات لمهام المشروع بين الحين والآخر يساعد على استمرارية المجموعة في التركيز على العمل المطلوب انجازه، كما يُشِّجع الأفراد في الوقت نفسه على إعادة صياغة ومراجعة الأجزاء التي قد تحتاج إلى تحسين ومراجعتها باستمرار. وهذا بدوره له أكبر الأثر خاصة إذا ما تم رصد الاحتياجات وتأمين الميزانية بحيث يتمكن الطلاب القائمين بالمشروع من عمل الموازنة لشراء المستلزمات وتغطية تكاليف التصوير وإعداد الدعوات وتجهيز المواد اللازمة للعرض. وحتى إذا كانت المواد الأساسية بأنواعها متوافرة ضمن البرنامج، تظل عملية تقدير التكلفة والمشاركة في عمل الميزانية من الأهمية بمكان بحيث تزود المتعلمين بخبرات هامة يظهر أثرها لاحقا في مجالات أخرى

الفوائد والمكاسب المهاراتية

ونذكر هنا آراء المعلمين المشاركين في برامج التعلم القائم على المشروع التي تكللت بالنجاح وذلك نقلا عن ماري هيلين مارنيتز (Mary Helen Martinez) من خلال لقاءاتها معهم

 –  في بداية ونهاية المشروعات ازداد حماس المتعلم بوضوح، ذلك الحماس الذي بعث الحيوية والنشاط بين الطلاب والمعلمين. فالطلاب قد سجلوا حضورهم للمشاركة في موضوع يشبع اهتماماتهم، إذن فإن مؤشر الدافعية لديهم يتجه إلى أعلى.

 – عندما يستغرق المتعلمون في عملية التقصي والاستفسار، فإنهم إذن يتطلعون بشغف إلى معرفة الإجابات متعمقين أكثر فأكثر في مضمون الموضوع القائمين عليه، ويقضون وقتا في هذه المهمة أطول مما يستغرقونه عندما يحدد المعلم لهم عملا جماعيا معينا.

–  في هذا النوع من التعليم يولد العمل المشترك وتترسخ قيمته، ويأتي إلى الوجود.

–  يشجع المتعلمون بعضهم البعض بصفة مستمرة ويقدمون الدعم المعنوي لبعضهم إذا ما تولّد لديهم الخوف من الظهور أمام الجمهور أثناء العرض. وعلى أي حال فإنهم في النهاية يستعيدون ثقتهم بأنفسهم، وعندما يتم تحديد موعد العرض، يكونوا قد أعدوا أنفسهم الإعداد الجيد جاهزين في الوقت المحدد لكل الاحتمالات، فينقلون أفكارهم بثبات وكفاءة بالرغم من بعض التوتر أو العصبية في مثل هذه المواقف.

 

البحث المحدود

على رغم من أن الدراسات البحثية العديدة تقدم لنا النتائج الإيجابية لنماذج التعلم الجماعي المشابهة التي تنصب على المهارات الأكاديمية لأطفال المدارس والشباب، فإنه لا توجد دراسات كافية أجريت على متعلمين طلبة شاركوا في التعلم القائم على المشروع. ومع ذلك فإنه يوجد هناك دليل كافٍ يحبذ فكرة التعلم القائم على المشروع ودعمها المهارات التي عرّفتها جمعية العمل للمهارات الأساسية SCANS، بالمهارات التي تُعدّ ضرورية في أماكن العمل ذات الأداء الراقي. ولكي نقوم بتقييم ما حصل عليه المتعلمون من العمل القائم على المشروع، سواء كان تعليما فرديا أو جماعيا، فإننا نحتاج إلى تطوير نظام التقييم القائم على الأداء الذي يعتمد على المعلومات والمهارات والاستراتيجيات التي يكتسبها المتعلمون وذلك بمشاركة المعلمين والمتعلمين وأعضاء من المجتمع. إن الدراسات التي تقارن بين التعلم القائم على المشروع وبين الطرق التقليدية للتعليم والتعلم قليلة جداً. لذلك فمهما كانت قوة تأثير التعلم القائم على المشروع على المهارات الأساسية كبيراً فإنها تبدو بسيطة إذا ما تم تقييمها بواسطة الاختبارات العادية

ولهذا فالحاجة ماسة إلى تطوير أشكال التقويم لتستوعب هذه المستجدات في أساليب التعلم الحديثة الفعالة. أن المعلمين والمتعلمين غالبا ما ينصب اهتمامهم على فكرة أن الوقت المحدد الذي يمكن أن يقضى في التدريب على المهارات الأساسية، يمكن أن يستغل في المناقشة ومحاولات الاستكشاف لموضوعات بعينها. أما الدليل على ذلك فيكمن في أن المعلمين المشاركين في التعلم القائم على المشروع غالبا ما يمضون فترات طويلة من الوقت في تسجيل الأفكار والقراءة والتعليق على ما قام الآخرون بكتابته، وإعطاء شكل للعمل الذي تنتجه المجموعة. ولقد أفاد المعلمون بأن الدافعية للتنقيح والتعديل تزداد بصورة جلية عندما يواجه المتعلمون جمهورا حقيقيايتألف من أناس ليسوا من جماعة الكبار البالغين الذين غالبا ما تتعدى مستوياتهم ذلك المستوى الخاص بالمشروع وأعمار الطلبة. ومع ذلك فإنه من الواضح أن المتعلمين الذين يشاركون في التعلم القائم على المشروع لا يحصلون على درجات في الاختبارات أقل من زملائهم الذين هم جزء من منظومة التعليم التقليدي.

أما بالنسبة للرياضيات، فعندما يعمل المتعلمون في المشاريع التي تحتاج إلى إعداد ميزانيات، فإنهم غالبا ما يمضون فترات طويلة من الوقت في الحسابات وتحديد   المواعيد، وهذا بدوره يكسبهم الخبرة في نوع من الرياضيات العملية التي تستخدم في إدارة الشئون المنزلية. إذا كان الوقت المحدد لانجاز كل مهمة يحظى بالاهتمام الذي يستحقه، وإذا كان الكثير من المشرعين يؤمن بذلك، يمكننا إذن أن نتوقع أن يفضي عمل المشروع إلى فهم أعمق للجهد المبذول وأثره في استخدام الرياضيات في مناحي الحياة الحقيقية.

وربما كان من أسهل الأمور التي نراها ونلمسها بوضوح هو اكتساب المهارات عند تعلم لغة ثانية، خاصة في المرحلة المتوسطة والمستويات المتقدمة (ESOL). إن كل جانب من التعلم القائم على المشروع يدعم ويؤيد ما يسمى بـ جهاز اكتساب اللغة” – أي قدرة المخ على اكتساب لغة ثانية من خلال مُدخل للمعاني والتعبير. يمكننا أن نتوقع نمو الكفاءة والإتقان إذا ما استخدمت اللغة المستهدفة في الاستقصاء والمناقشة، والوصول إلى مضمون المعلومات بالاطلاع والتحدث مع الآخرين ومشاركة الأفكار من خلال الكتابة. ومن المحتمل أن تؤدي المشاركة والاندماج مع لغة أخرى إلى كفاءة عملية أكبر (مما يذكر كراشن) وإلى القدرة على إدراك أن اللغة يختلف مفهومها حسب ما تعنيه النصوص، وكذلك إلى القدرة على استخدام اللغة وتعلم القراءة والكتابة (Literacy) بطرق جماعية مناسبة. بالرغم من الفوائد الجمة للتعلم القائم على المشروع، فلا يجب أن يكون غاية في حد ذاته، كما يجب ألا يقدم يغطي المتنوعة أو حاجات التعلم المتعددة، بل يفضل عوضا عن ذلك أن يكون دعاماً رئيساً للتعلم الشامل ومثرياً له

الخلاصة

وأخيرا، فإن هؤلاء الذين يشتركون في بناء المفهوم ويؤمنون بأنهم يصنعون المعلومات الخاصة بهم من خلال التفاعل مع الآخرين ومع النصوص، ربما يرون الفوائد المباشرة للتعلم القائم على المشروع، بينما هؤلاء الذين يؤمنون بضرورة تواجد نماذج جاهزة ومباشرة للتعليم سوف يظلون في حالة شك وتردد. إننا جميعا ننتظر ذلك البحث الذي يمكن أن يجمع لنا أبعاد التعلم التي يقدمها التعلم القائم على المشروع: إذ تحصل على المعنى من خلال قراءة مواد موثقة، من خلال الكتابة للجمهور، من خلال التواصل مع الآخرين خارج الغرفة الدراسية، من خلال العمل كجزء من فريق، وإعطاء الصوت لأفكار وآراء شخص ما، ومن خلال استخدام تعلم القراءة والكتابة لإحداث التغيير. في الوقت نفسه، فإنه قد يتعين علينا أن نمارس التعلم القائم على المشروع عن إيمان، ونراه كمفهوم واعد يعكس الكثير مما نعرفه عن الطريقة التي نتعلم بها.

      هذا وبالله التوفيق

        والحمد لله رب العالمين

انضم إلينا على صفحة فيسبوك

Qatar Airways
Qatar Airways

You May Also Like