أساليب التعليم بين التقليد والتحديث

أساليب التعليم بين التقليد والتحديث ph

أساليب التّعليم بين التّقليد والتحديث

بقلم: د. يحيى أحمد القبالي

يُعتبر أُسلوب التّعليم من أساسيات العمليّة التعليميّة ومُحور الحصة الدّراسيّة، فمن خلاله يحصل المعلّم على هامش من الحريّة المقيّدة ينطلق منها لتحقيق أهداف حصته الدراسيّة من الزاوية التي يراها مناسبة لمستوى الطّلبة، وقد يختلف أُسلوب المعلّم للموضوع الواحد من فصل لآخر باختلاف الفروق الفرديّة بين طلبة الفصول المتعدّدة التي يقوم بتدريسها ، ومن خلال أُسلوب التّعليم الذي يمارسه المعّلم يكون الطّلبة قد رسموا صورةَ لهذا المعلّم أو ذاك في أذهانهم تعمل هذه الصورة على تهيئتهم للموقف التّعليمي الحاضر، وقد يضع بعض المعلّمين نفسه في قالب لا يمكنه الحياد عنه والانحياز لأسلوب آخر أكثر ملائمة للموقف التعليمي إلى أن يصل إلى سن التقاعد، ومن خلال اختلاف أساليب التّعليم التي تُصبح صفة سائدة في شخصيات المعلمين يستطيع الطّلبة المفاضلة ببن معلّم وآخر، وقد تُلقي تلك المفاضلة بظلالها على اتجاهات الطّلبة نحو المادة التعليميّة التي يدرّسها المعلّم، فنجد كثيرًا من الطلبة يُفضّلون مادة دراسيّة على أُخرى متأثرين بأسلوب تدريسها الذي ارتبط بشخصيّة ذلك المعلّم، وقد يضطر المعلّم إلى تغيير أُسلوب تعليمه في مواقف معيّنة ليتمكن من السيطرة على إدارة الحصة الدّراسيّة اذا ما واجهته مشكلة مع بعض الطّلبة المشاكسين.

اذًا فأسلوب التّعليم التقليدي الذي تبنّاه المعلّم وحدّد إطاره بنفسه طواعيةً لم يعد كما كان في ظل التقدّم العلمي وتكنولوجيا التّعليم الحديثة والتعلّم عن بعد فقد أُخزلت الأساليب وتوحّدت في أسلوب واحد تصدّرته أدوات تلك التكنولوجيا لدرجة لم يعد للطالب خيارًا يمكنه من خلاله المفاضلة بين أساليب التّعليم بين معلم وآخرالتي أصبحت صورة طبق الأصل عن بعضها البعض وبخطوات محددة وأدوات تكنولوجية ثابتة بلباس مواكب للتطور متخذًا صفة الحداثة في التّعليم.

وندرك كتربويين بأنّ العلاقة الانفعالية(العاطفية، الوجدانية، الاجتماعية) بين الطّلبة والمعلمين تحتل قمّة هرم التفاعل الاجتماعي المدرسي ( سوسيولوجيا التربيّة) ، وأنّ تكنولوجيا التّعليم بما تقدّمه من خدمات تيسيريّة للعملية التعليميّة مختصرة الوقت والجهد ومختزلة للخبرات التربوية المتراكمة، وفاتحة لآفاق علمية لا حدود لهاحتى أصبح يطرق مسامعنا مصطلحا حديثًا يتعلق بمعلم العصر ألا وهو المعلم الرقمي، وهو المعلم الذي يملك المهارات الرقمية التي تؤهله التعامل مع التكنولوجيا الحديثة بيسر وسهولة وتجاوز التعليم الوجاهي بالتعليم عن بعد، إلاّ أنّ تلك التكنولوجيا تخلو تمامًا من الجانب الانفعالي( الوجداني) ، فالمشاعر والعواطف ليس لها مكان في تلك الأجهزة الصّماء المبرّمجة في اتجاه واحد، فهي عاجزة تمامًا عن تعويض الطّفل عاطفيًا كالمواقف التعليميّة التقليديّة .

لذا فمن الواجب على المهتمين بالعملية التعليميّة والقائمين على شؤونها أن يدركوا مدى أهمية الجوانب الانفعالية وأثرها وكيفية التركيز على هذا الجانب الذي يُعد مدخلاً لتشرّب النشء للقيم بشكل مباشر من خلال شخصيّة المعلم وأسلوب إدارته للحصة الدراسية، فلطالما تقمّص الطلبة شخصيات معلميهم وقاموا بمحاكاة سلوكياتهم داخل الفصل الدّراسي بحركاتهم وسكناتهم.

إنّ أُسلوب التّعليم ليس فقط كيفيّة إدارة المعلّم لحصته الدراسيّة كموقف تعليمي عابر، بل يتجاوز ذلك بكثير، فلحظة دخول المعلّم الفصل الدّراسي وإلقائه التحية وملامح وجهه وتعبيراته وحركاته ورائحة عطرة وسماع طرق خطواته وتنويع نبرة صوته والتفاتاته ولون ملابسه وتسريحة شعره وملامسته لطلابه وطريقة تصويب أخطائهم وتوزيع نتائج الاختبارات عليهم وضحكته وعبوسه، ولحظة وداعهم عند انتهاء الحصة كلّ ذلك يُعتبر أُسلوب تعليم وبصمة خاصة يتركها المعلّم في نفوس طلبته وقد تبقى عالقة في أذهانهم طوال حياتهم.

إنّ كلّ ما تم ذكره لن تعوّضه تكنولوجيا التعليم والتعليم عن بعد، ففاقد الشيء لا يعطيه، وفي الوقت نفسه لا يمكن الاستغناء عن هذه التكنولوجيا.

لذا فمن الواجب إعطاء المعلّم فرصة لإثبات ذاته وإزالة الحواجز بينه وبين طلبته ومد جسور من المودة والألفة بينه وبينهم لتنمية الجانب الوجداني لديهم كقدوة حيّة بسلوكه فيكون له الخيار بإدارة حصته الدراسية والتنويع بين استخدام تكنولوجيا التعليم والأسلوب التعليمي التقليدي مع الاستخدام الأمثل لتلك التكنولوجيا و تطويعها لتحقيق أهداف العملية التعليمية، فأي خلل يعمل على إعاقة تحقيق الأهداف لن يتم تحميله للأجهزة بل إلى تقصير المعلّم في إدارة حصته الدراسية.

وبطبيعة الحال سيبقى أُسلوب المعلّم التعليمي الحلقة الأقوى في العملية التعليميّة فمنه يستمد تميّزه عن غيرة ويُمثّل ذلك الأسلوب نافذة المعلّم الوحيدة للاستمتاع بمهنته كمعلّمٍ كقائدٍ وليس كمنفّذ لتقنيات تعليم يغلب عليها طابع الرتابة والروتين اليومي يمكن إدارتها بقليل من التدريب.

يخلط الكثيرون بين أُسلوب التّعليم وطرائق التّعليم، فأسلوب التعليم يرتبط ارتباطًا عضويًا بكيفية إدارة المعلّم لحصته الدراسيّة وما يملكه من خصائص شخصية تميّزه عن غيره من المعلّمين وهو ثابت نسبيًا، أما طرائق التّعليم فهي خطوات معيّنة ومعدّة مسبقًا يمكن للمعلم اختيار ما يناسب درسه على ضوء ما يتضمنه الدرس من معلومات، مثل : الطرق التدريسية التي يكون محورها الطالب، أو الطرق التدريسية التي يكون محورها المعلّم ، أو الطرق التدريسية التشاركية بين الطالب والمعلّم، ومنها: (الطريقة الكليّة الطريقة الجزئيّة، أو طريقة الحوار، أو المحاضرة الخ) ، ومن خلال هذه الطرق أو بعضها يستطيع تكييف موقف تعليمي يناسب محتوى المنهاج وفي الوقت نفسه يراعي الفروق الفرديّة بين طلبة الفصل الواحد أو الفصول المتعدّدة التي يقوم بتدريسها، وقد أثبتت الدراسات التي تستشرف مستقبل المهن بأنّ لا غنى أبدًا عن مهنة التدريس، وأنّ التّعليم كرسالة ومهنة ستبقى محافظة على رونقها على الدوام.

(57) صوت المملكة | التعليم وجودة المخرجات – YouTube

 

Loading...
Play ButtonPlay Button

You May Also Like