أرقامنا عربيّة وليست هنديّة

أرقامنا عربيّة وليست هنديّة بقلم د يحيى أحمد القبالي

أرقامنا عربيّة وليست هنديّة

بقلم : د، يحيى أحمد القبالي

أرقامنا عربيّة توالت الرواية تلو الرواية عبر صفحات التاريخ لتخبرنا بأنّ أرقامنا العربيّة هي أرقام هنديّة، وأنّ الأرقام الأوروبيّة هي أرقام عربيّة فصدّق من صدّق ولزم الصمت من ليس بيده دليلٌ لإثبات عدم صحة ما قيل في هذا المجال، إمّا لعدم وجود الدليل النقلي ، أو لقصور الدليل العقلي، ولعلنا نُلقي الضوء على تلك الروايات التي لا تمُت إلى الحقيقة بصلة، فكلا النّظامين من الأرقام التي تُسمى هنديّة أو العربية التي نُسميها أوروبيّة هي عربيّة الأصل والمرجع، بمعنى أنّ المسلمين والعرب كانوا يتعاملون بها قبل تلك الرواية بسنوات طويلة.

وتخبرنا تلك الصفحات من الروايّة التي تكرّرت على مدار قرون من الزّمان ومنذ حكم الدّولة العباسيّة، وفحوى هذه الرواية :بأن العرب في قديم الزّمان كانوا يستخدمون الحروف للدلالة على الأرقام كتابةً، أي إنّهم كانوا يكتبون الأرقام بالأحرف لفظيًا دون وجود أعدادٍ تعبّر عنها، واستمر الوضع على ما هو عليه إلى أن جاء عهد الخليفة العباسي ( أبو جعفر المنصور) ، وتمّ خلاله استخدام الأرقام الهنديّة عوضاً عن الاكتفاء بكتابة الأرقام بالأحرف، ولم يكن الصفر قد اختُرِع في ذلك الوقت بعد، ففي عام(771م) وفد إلى بلاط الخليفة العباسي( أبو جعفر المنصور) فلكي هندي، ومعه كتاب مشهور في الفلك والرياضيات أُطلق عليه سدهانتالمؤلفه (براهما جوبتا)، الذي وضعه سنة( 628م ) واستخدم فيه الأرقام التسعة: ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ قبل أن يُضيف العرب بعد ذلك الصفر، أي أنّ العرب اخترعوا الصّفر على يد العالم الفلكي العربي الخوارزمي.

وتقول الرواية أيضًا : أُعجب الخليفة( المنصور ) بطريقة الهنود في التّعبير عن الأرقام، وأمر بترجمة الكتاب إلى اللغة العربيّة، وبأنّ يُؤلف كتاب على نهجه يشرح للعرب سير الكواكب، وعهد بهذا العمل إلى الفلكي( محمد بن إبراهيم الفزاري) الذي ألَّف على نهجه كتاباً سماه السند هند الكبيرولفظة سند هندتعني باللغة الهندية (السنسكريتية) “الخلود.”

وقد أخذ العرب بهذا الكتاب حتى عصر الخليفة( المأمون) ، وفي عام( 813 م) استخدم الخوارزمي الأرقام الهندية في الأزياج (كتب الفلك)، ثم نشر في عام( 825م ) رسالة تُعرف في اللاتينية باسم Algoritmi de numero Indorum، أي الخوارزمي عن الأرقام الهندية“.

وما لبث لفظ ألغوذثمأن أصبح معناه بأوروبا في العصور الوسطى الطريقة الحسابية التي تقوم على النظام العشري، ومن هذا الكتاب عرف المسلمون حساب الهنود، فأخذوا عنه نظام الترقيم.

وبعد هذه المقدّمة يتبادر إلى أذهاننا عدة أسئلة ، منها:

1- هل كانت الحضارة الهنديّة متقدّمة أكثر من الحضارة الإسلاميّة في زمن الدولة العباسيّة حتى تأخذ منها رموز الأرقام؟

2- من كان الأقرب للحضارة الاسلاميّة ، الحضارتان الفارسية والرومانية أم الحضارة الهندية؟

3- هل كان الصّفر غير مخترع بعد عندما تم نسبه إلى الخوارزمي؟

4- لماذا اعتمد الاوروبيون الأرقام 0123456789 بدلاً من الأرقام التي كانت تسمى بالهندية؟

5-وهل كان العرب والمسلمون يستخدمون الحروف للتعبير عن الأرقام بدلاّ من الأرقام المجرّدة؟ وما الدليل.

6-ولماذا عندما أعدنا أرقامنا اليوم والتي كانت تسمى العربية قبل استخدام الغرب لها قمنا بتقليد الغرب وقلبها من اليسار إلى اليمين؟

7-لماذا تخلّى الهنود عن أرقامهم واعتمدوا نموذج آخر غيرها.

8-وهل يوجد نظام لكتابة الأرقام ولفظها غير النظام العشري في اللغات والحضارات كآفة؟

9-لماذا تم اغفال نظام العد المسمى بنظام ( الجمّل) وهو نظام عددي قديم منذ ألوف السنين ويستخدم الأرقام في نظامه وهو نظام عشري قبل اختراع الصفر كما يقولون؟

10-تقول الرواية : “قبل أن يُضيف العرب بعد ذلك الصفر، أي أنّ العرب اخترعوا الصّفر على يد العالم الفلكي العربي الخوارزمي، علمّا بأنّ الخوارزمي( أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي) ليس عربيًا بل مسلمًا، وتخبرنا كتب التاريخ بأنّ عائلته  انتقلت من مدينة  (خوارزم)  في إقليم (خراسان) الإسلامي والتي تسمى ’’خيوا‘‘ في العصر الحالي، في جمهورية (اوزبكستان )إلى بغداد.

11-إنّ التاريخ يخبرنا بأنّ المهزوم وفي كآفة العصور مولع دائمًا بتقليد الغالب ، وقد بلغت جيوش المسلمين السند( باكستان) والهند وفتحتها ، ومن باب أولى أن يقلّد الهنود الأرقام العربية وليس العكس.

لم يخترع الخوارزمي الصفر بل قام بابتكار طريقة رسم أخرى تدل على الصفر.

لقد كان الصفر يعتبر معضلة بحد ذاته من حيث الرسم، فقد كان لا يظهر في كثير من الكتابات، حيث يتم الخلط بينه وبين النقطة الكتابية وفي بعض الأحيان يتم اغفاله لعدم وضوحه، فقام الخوارزمي باستبداله بدائرة فارغة ليتسنى التعرّف عليه بيسر وسهولة، ولم يخترعه الخوارزمي بل ابتكر شكلاً آخر للتعبير عنه، ويميزه عن النقطة الكتابية وجعله دائرة خالية من الزوايا فقط وكان اجتهادًا صائبا وفي مكانه، ولكن بعد ذلك لم يقم الخطاط ( ابن مقلة ) باستبداله في الأرقام التي يطلق عليها الأرقام الهندية وهي: .١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩

ولو عدنا إلى طبيعة الأرقام التي تسمى عربية واستخدمها الأروربيون :

أرقامنا عربيّة

فالخوارزمي هو من اكتشف –وليس من اخترعالعلاقة بين الرمز الحسابي ( الرقم) وقيمته من خلال الزوايا التي يحتويها الرقم، فرقم واحد فيه زاوية واحدة، ورقم اثنان فيه زاويتانالخ، علما بأنّ تلك الأرقام جميعها مكوّنة من رسم الرقم واحد فقط وكان الصّفر يشكّل نقطة مربعة متساوية الأضلاع بحجم رأس القلم الذي كتب فيه، وكان يطلق على هذا النوع من الحروف الخط الهندسي. وفي الأصل كانت هذه الأرقام تكتب من اليمين إلى اليسار، وعندما استخدمها الأروبيون قاموا بعكسها لتتلاءم مع اتجاه كتابة لغتهم.

ولو رجعنا إلى خط النسخ الذي ابتكره ابن مقلة في القرن الرابع الهجري لوجدنا العلاقة ذاتها تتكرر بالأرقام التي كانت تسمى هنديّة: وهي(۰ ۱ ۲ ۳ ٤ ٥ ٦ ٧ ۸ ۹ )وتبدأ من اليمين إلى اليسار.

ولو ربطنا حروف خط النسخ لوجدناها هي والأرقام التي تسمى هنديّة قد خرجت من رحم واحد، حيث يشكّل الرقم واحد والصفر هذه الحروف، كما أنّ الأرقام التي نسميها اليوم عربيّة وهي عبارة عن أشكال هندسية هي نفس العلاقة حيث أنّ الصفر والرقم واحد يشكّل تلك الأرقام.

وعلى الصعيد المحلي الأردني فقد قام مجمع اللغة العربية الأردني بعدة دراسات في هذا الشأن وكان موقفه ثابتا إزاء هذه القضية كما ورد في ( وكالة البوصلة الإخبارية الأردني): ” أصدر مجمع اللغة العربية مؤخراً، كتاباً أوصى من خلاله وزارة التربية والتعليم باعتماد الأرقام العربية المتعارف عليها في المناهج.

وقال المجمع في بيان أصدره مؤخراً، إنّه ” وبعد مراجعة مستفيضة لما صدر عنه من دراسات وتوصيات وقرارات في هذا الشأن، واستجابة للاستفسارات التي توجه إليه عن هذا الموضوع، فقد قرر تأكيد موقفه الثابت من الموضوع؛ ألا وهو استعمال الأرقام المشرقية ( ٣،٢،١،…) – التي كتبنا بها منذ قرون وما زلنا نكتب؛ باعتبارها جزءاً من لغتنا العربية وحضارتنا العربية الإسلامية – في جميع المطبوعات والمنشورات الثقافية والتربوية والعلمية والرسمية”.

إقرأ المزيد لمقالات التربويون العرب

أرقامنا عادت لنا.

Loading...
Play ButtonPlay Button

You May Also Like